كشف تقرير جديد للأمين العام للأمم المتحدة حول "العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات"، أن سقوط النظام السوري السابق والإفراج عن آلاف المعتقلين أتاحا توثيق أنماط أكثر وضوحاً من الانتهاكات الجنسية التي مورست داخل مراكز الاحتجاز السابقة.
وقال التقرير، الذي يغطي الفترة الممتدة من كانون الثاني/يناير إلى كانون الأول/ديسمبر 2025، أن الأمم المتحدة وثقت أنماطاً متعددة من الاغتصاب وأشكال العنف الجنسي داخل مراكز احتجاز كانت خاضعة لسيطرة النظام السابق، موضحاً أن النساء المعتقلات تعرضن أساساً للاغتصاب، فيما تعرض الرجال، وبينهم فتيان، لعنف جنسي استخدم كأداة تعذيب، وأوضح التقرير أن الانتهاكات داخل السجون كانت جزءاً من بنية قمعية واسعة حولت الجسد إلى مساحة للعقاب والإذلال وكسر الضحية وعائلتها ومحيطها الاجتماعي.
المعتقلات كذاكرة مفتوحة
ووفق التقرير، فإن بعض الضحايا كانوا في سن لا تتجاوز 11 عاماً، وتعرضوا للاغتصاب أو لأشكال أخرى من العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب بأدوات، وإجبار معتقلين على اغتصاب معتقلين آخرين، وارتكاب اعتداءات جنسية أمام أطفال كانوا محتجزين أيضاً.
ويشير التقرير إلى أن الناجين والناجيات يواجهون بعد الإفراج عنهم شبكة أخرى من المخاطر، تبدأ من الوصمة الاجتماعية ولا تنتهي عند غياب الخدمات المتخصصة، خصوصاً بالنسبة إلى الرجال والفتيان الذين غالباً ما يتحدثون عن "التعذيب" من دون تسمية العنف الجنسي، بسبب الخوف والعار وندرة المسارات الآمنة للدعم النفسي والطبي والقانوني. كما يشير التقرير إلى أن بعض النساء الخارجات من المعتقلات قد يواجهن عنفاً داخل العائلة نتيجة افتراضات اجتماعية مرتبطة بما تعرضن له خلال الاحتجاز، وهو ما يجعل النجاة من السجن بداية لمرحلة أخرى من الخطر.
أربع فتيات
ووثق التقرير حالات عنف جنسي ضد أربع فتيات وقعت بين تشرين الأول/أكتوبر 2022 وكانون الأول/ديسمبر 2024، ونسبها إلى تنظيم "داعش" و"الجيش الوطني السوري" المعارض.
كما أورد التقرير أن "لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا" وثقت في العام 2025 حالات خطف تلاها اغتصاب وزواج قسري، بينها حالات طاولت نساء علويات، ارتكبها عناصر من فصائل مسلحة غير محددة، في سياق قتل مدنيين غالبيتهم من المجتمعات العلوية في مناطق الساحل، على يد عناصر مسلحة وبعض أفراد قوات الأمن الحكومية.
وفي محافظتي اللاذقية وحمص، تحدث التقرير عن تعرض رجال وفتيان من الطائفتين العلوية والمرشدية للضرب على الأعضاء التناسلية من قبل مقاتلين سوريين وأجانب غير تابعين للدولة، إضافة إلى عناصر من الأمن العام.
وتوقف التقرير عند اشتباكات المحافظات الجنوبية في تموز/يوليو 2025، حيث برزت اتهامات بخطف نساء درزيات وبدويات وتعرضهن لعنف جنسي على يد عناصر مسلحة. وبحسب التقرير، قال ضحايا وعائلات تقدموا بشكاوى إنهم واجهوا تهديدات وعوائق أمام الحصول على المساعدة من أجهزة إنفاذ القانون المحلية، فيما خلص تحقيق داخلي للحكومة السورية بشأن مزاعم خطف النساء بين كانون الثاني/يناير وأيلول/سبتمبر إلى تأكيد حالة واحدة فقط من أصل 42 حالة مبلغ عنها، وهي نتيجة طعنت بها أكثر من 300 منظمة وناشطة وناشط من المجتمع المدني والنسوي السوري.
وتزيد هذه المعطيات من حساسية الملف السوري، لأنها تضع السلطات الحالية أمام مسؤوليتين متلازمتين: التعامل مع الجرائم الموروثة عن النظام السابق بوصفها جزءاً من مسار العدالة الانتقالية، ومنع إنتاج أنماط جديدة من الانتهاكات في مناطق شهدت توترات طائفية وأمنية خلال المرحلة الانتقالية.
عدالة انتقالية تحت الضغط
يربط التقرير بين ملف العنف الجنسي في سوريا ومسار العدالة الانتقالية الذي بدأ يتشكل مؤسسياً بعد سقوط النظام. ففي أيار/مايو 2025، أصدرت الحكومة السورية المرسوم رقم 20 القاضي بإنشاء "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية"، بهدف السعي إلى العدالة والمحاسبة عن الانتهاكات المرتكبة في عهد النظام السابق، وتعويض الضحايا وضمان عدم التكرار والمساهمة في المصالحة الوطنية.
وفي آب/أغسطس 2025، أجرى فريق الخبراء الأممي المعني بسيادة القانون والعنف الجنسي في النزاعات أول مهمة تقنية إلى دمشق، حيث التقى مسؤولين حكوميين ومنظمات من المجتمع المدني السوري والدولي، وعقد ورشتين في دمشق مع "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية"، ركزتا على ضمان إدراج كامل تدابير العدالة الانتقالية المرتبطة بالعنف الجنسي في النزاع، بما في ذلك المساءلة الجنائية. وانتهى هذا المسار، بحسب التقرير، إلى طلب السلطات السورية دعماً أممياً خلال العام 2026.
الأطراف المدرجة في سوريا
وفي ملحق التقرير، أدرجت الأمم المتحدة عدداً من الأطراف المرتبطة بسوريا ضمن قائمة الجهات التي توجد بشأنها معلومات موثوقة حول ارتكاب أنماط من الاغتصاب أو أشكال أخرى من العنف الجنسي في النزاع، وشملت القائمة "أحرار الشام" و"جيش الإسلام"، و"تنظيم داعش"، و"هيئة تحرير الشام"، فيما شملت من أطراف الدولة قوات النظام السوري السابق، بما فيها "قوات الدفاع الوطني" وأجهزة الاستخبارات والميليشيات الموالية للحكومة السابقة.
سوريا ضمن خريطة عالمية
ورغم حضور سوريا بوصفها إحدى الحالات الأكثر ارتباطاً بذاكرة الاعتقال والتعذيب، فإن التقرير يضعها ضمن خريطة عالمية أوسع شهدت في العام 2025 ارتفاعاً حاداً في الحالات التي تحققت منها الأمم المتحدة، وسط نزاعات طويلة، وتراجع في التمويل الإنساني، وقيود على الوصول إلى الضحايا، وتصاعد في استهداف العاملين الإنسانيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وفي السودان، وصف التقرير العنف الجنسي بأنه أحد الملامح المحددة للحرب الدائرة بين الجيش السوداني و"قوات الدعم السريع" وحلفائهما، موثقاً حالات اغتصاب واغتصاب جماعي واستعباد جنسي وزواج قسري وحمل قسري وخطف بغرض الاستغلال الجنسي، مع استهداف نساء وفتيات، خصوصاً من مجتمعات الزغاوة والفور، على أسس إثنية أو بسبب الانتماء المفترض إلى أطراف معادية.
كما تناول التقرير أنماطاً أخرى في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة وليبيا وميانمار والصومال وجنوب السودان وأفغانستان وكولومبيا، حيث تكررت ممارسالت متشابهة: استخدام العنف الجنسي في الاحتجاز أو خلال النزوح أو على الحواجز، أو كوسيلة للسيطرة على المجتمعات، أو كجزء من اقتصاد الحرب والاتجار بالبشر.




