يواصل الفنان غسان صليبا حضوره الفني انطلاقاً من رؤية تتمسك بالأغنية التي تشبهه وتحمل بصمته، بعيداً من الإيقاعات العابرة والخيارات التي تفرضها موجات الانتشار السريع. وفيما يستعد فيه لإحياء حفلة جديدة في باريس، بدا واضحاً أن الأمسية لا تشكل بالنسبة إليه مجرد محطة غنائية، بل مساحة لقاء مع جمهور لبناني وعربي لطالما حافظ على التواصل معه.
وفي حديثه مع "المدن"، توقف صليبا عند خصوصية الغناء مع الأوركسترا، مشيراً إلى أن الريبرتوار سيجمع بين أغنياته الخاصة وأعمال من التراث اللبناني والعربي، في محاولة للحفاظ على التوازن بين الأغنية الحديثة والذاكرة الموسيقية التي يحملها الجمهور معه.
وأشار صليبا إلى أن الحفلة تشهد للمرة الأولى تقديم أغنيته الجديدة "مسافات" مباشرة أمام الجمهور بعدما حققت أصداء جميلة منذ طرحها قبل أيام قليلة، مؤكداً أن الجمهور يحب أن يعيش لحظة ولادة الأغنية الجديدة في المكان المناسب وأن يشارك الفنان اكتشاف العمل منذ بداياته. والأغنية، بحسب وصفه، تشبه هويته الفنية وتأتي امتداداً طبيعياً لما قدمه سابقاً، وهي من كلمات وألحان جهاد حدشيتي وتوزيع طوني سابا.
وفي حديثه عن تجربة تقديم الأغنيات الجديدة على المسرح، بدا صليبا مدركاً للفارق الطبيعي بين الأغنية التي يحفظها الناس وتلك التي يسمعونها للمرة الأولى، وقال أن التفاعل يكون أكبر مع الأغنيات المعروفة، مضيفاً أن "مسافات" تمتلك عناصر القرب السريع من المستمع، إلى درجة أن من يسمعها يشعر وكأنه يعرفها منذ زمن. وربط ذلك بكونها تشبه أرشيفه القديم وتحمل الروح نفسها التي ميزت مسيرته، معتبراً أنها من الأغنيات القائمة على "السهل الممتنع"، القريبة من اللون اللبناني الذي يحبه، الممكن حفظها بسهولة لأنها لا تبدو غريبة عن وجدان المستمع.
وفي مقاربة تحمل كثيراً من القلق على واقع الأغنية اليوم، تحدث صليبا عن الصعوبة المتزايدة في العثور على عمل يحافظ على قيمة الفنان ويشكل امتداداً حقيقياً لمسيرته، موضحاً أن اختيار الأغنية المناسبة يحتاج إلى تعب وإصغاء طويل، وأن الفنان يجب أن يقتنع بما يقدمه هو، لا بما يقنعه الآخرون بأنه "يتماشى مع الموضة". ومن هذا المنطلق، رفض فكرة الموضة في الفن، معتبراً أن ما يبقى فعلاً هو الفن الجميل الصادق، فيما تسقط الأعمال السطحية سريعاً مهما حظيت بانتشار إعلامي كثيف. وبرأيه، فإن الأغنية المتكاملة التي تحمل إحساساً وصدقاً تعيش طويلاً ولا يملّها الناس، على عكس الأعمال التي تُفرض على الجمهور من دون مضمون حقيقي.
وفي سياق متصل، رفض صليبا تحميل الجيل الجديد مسؤولية التراجع الفني، معتبراً أن المشكلة تكمن في طبيعة ما يقدم له، لأن الجمهور يتفاعل مع المادة المتاحة أمامه. ورأى أن الخطورة اليوم تكمن في غياب "الغربلة" التي كانت تقوم بها الإذاعات والمؤسسات الإعلامية سابقاً، حين كانت تختار ما يستحق الوصول إلى الناس، فيما أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي وصول كل أنواع الأعمال إلى الجمهور بلا أي معايير واضحة. لذلك شدد على أن المسؤولية الأساسية تقع على الفنان نفسه، لأن الفن بالنسبة إليه ليس مزحة، بل يرتبط برقي الشعوب وزيادة الوعي والارتقاء بالذوق العام.
ورغم انتقاده الواضح للفوضى الفنية، أكد صليبا انفتاحه على التعاون مع الجيل الشاب، موضحاً أنه مع "كل شيء جميل" بصرف النظر عن عمر صاحبه أو تجربته، لأن المعيار بالنسبة إليه يبقى جودة العمل، لا عمر من يقدمه. وميّز صليبا هنا بين الفن بوصفه مهنة طبيعية يتقاضى الفنان عنها أجراً مقابل تعبه وكلفة الإنتاج ومتطلبات المهنة، وبين أن يصبح الهم المادي الهدف الوحيد للفنان. واعتبر أن المشكلة تبدأ عندما يتراجع البحث عن الأفضل لمصلحة المكسب وحده، لأن المهنة عندها تفقد معناها الحقيقي وجمالها.
وأشار صليبا إلى تواصله مع بعض الفنانين الشباب، مقابل شعور بالابتعاد عن تجارب أخرى لا يرى فيها ما يشبه الهوية الموسيقية اللبنانية أو العربية. وأوضح أنه يستمع أحياناً إلى أعمال لا يستطيع تمييز هويتها أو حتى لهجتها، رغم أنه منفتح على التنوع ويحب الأغنية المصرية والخليجية، إلا أنه يرفض الأعمال التي تبدو بلا ملامح واضحة أو جذور فنية معروفة، معتبراً أن الكثير من هذه الظواهر لا يتعدى كونه "صرعات" عابرة سرعان ما يعود بعدها الجمهور إلى الأصل.
ومن هنا، شدد صليبا على أهمية وعي الفنان قبل الجمهور، لأن الفنان هو من يختار الكلمة واللحن والتوزيع، وهو المسؤول الأول عن قيمة ما يقدمه. كما ربط بين الفوضى الفنية والواقع اللبناني العام، معتبراً أن غياب الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي يجعل ضبط الساحة الفنية أصعب، خصوصاً في ظل غياب أي محاسبة حقيقية أو معايير واضحة تحفظ مستوى معيناً للفن.
ولم يُخفِ صليبا انزعاجه من هذا الواقع، بل بدا حاسماً في توصيفه لخطورة ما يحصل، انطلاقاً من اقتناعه بأن الفن والثقافة والمسرح عناصر أساسية في تكوين وعي الشعوب وذوقها العام. وحذر من أن يكبر جيل كامل على هذا المستوى المتدني، لأن ذلك سينعكس لاحقاً في خياراته ووعيه ونظرته إلى الفن والثقافة، مذكّراً بالدول التي تدعم ثقافتها مادياً وإنتاجياً حفاظاً على هويتها الفنية واستمرارها.
وفي ما يتعلق بالمسرح الغنائي، بدا واضحاً أن الحنين لا يكفي لإعادة هذه التجارب. ورأى صليبا أن المسرح "ابن بيئته"، وأن إنتاج الأعمال المسرحية الغنائية الكبرى بات شديد الصعوبة في ظل الظروف الحالية، نظراً إلى الكلفة الكبيرة التي يتحملها المنتج والجمهور معاً، مستعيداً تجربة الأعمال التي قدمها سابقاً مع الرحابنة بوصفها جزءاً من مرحلة مختلفة إنتاجياً وثقافياً.
وفي الشق السياسي، عبّر صليبا عن دعمه كل ما يخدم لبنان ويحقق السلام والاستقرار فيه، مشيراً إلى أنه إذا كان أي مسار تفاوضي يؤدي إلى إنهاء الاحتلال ويأتي ضمن إجماع عربي ويحفظ حقوق لبنان، يمكن السير به، شرط ألا يكون ذلك على حساب السيادة أو الكرامة الوطنية. لكنه في المقابل أبدى حذراً واضحاً حيال إمكان الوثوق في إسرائيل، معتبراً أن مواجهة التحديات تتطلب وحدة داخلية ورؤية موحدة ودولة قوية اقتصادياً وأمنياً، لأن الانقسام والضعف يجعلان لبنان مكشوفاً أمام التدخلات الخارجية، وغير قادر على حماية نفسه في مواجهة الأخطار المحيطة به.




