كنت في الرابعة أو ربما الخامسة من عمري، حين أدركت للمرة الأولى أن إتقان عمل ما، قد يجعل أحدهم يحبّك أكثر. أو على الأقل ينظر إليك بشكل مختلف. كان ذلك كافياً. كان ذلك بالنسبة إلي كل شيء. نشأت وأنا أريد النجاح، لا رغبةً فيه تحديداً، فالنجاح في معظم حياتي، كان أداءً أتقنته جيداً. هدية أُغلّفها لشخص آخر لينبهر بها.
أولاً كانت عائلتي. أردت أن أكون مصدر فخر لهم، نظرات أمي وهي تشدّ ظهرها قليلاً حين تتحدث عن نجاحي والفخر الذي يملأ عينيها كان كافياً…كنت أدرس، وأعمل، أدفع نفسي إلى ما بعد الإرهاق، ليس حباً في الصعود، بل حبّاً في رؤية نظرات الفخر و الزهو تعلو وجهها.
ثم أساتذتي. أردتُ أن أكون تلك الطالبة التي لا تُطوى ذكراها؛ تلك التي يتردد اسمها بينهم حتى بعد مرور سنوات. كنتُ أطارد رضاهم كأنه الماء أو الهواء، أقتاتُ على كلماتهم، وأنكمشُ على نفسي حين يغيب الثناء، بينما أحلقُ عالياً حين يأتي. لقد خلطتُ، بجهلٍ، بين إطرائهم وبين تقييمي لذاتي.
ثم جاء...هو. كان ذلك الرجل الذي تعيدين ترتيب نفسك حوله من دون أن تلاحظي ذلك. وجدتُ نفسي أبذل جهداً مضاعفاً، وأقرأ أكثر، وأصقل كل زاوية من زوايا عقلي. لم يكن ذلك لنفسي تماماً، بل كانت عيني ترقبه دوماً، تتساءل إن كان يلاحظني. أردتُه أن يرى كم أنا ذكية، وكم أنا فطنة. أردتُه أن يفكّر بي وحدي، وأن أكون تلك المرأة التي تستوقفه وتُربك حبل أفكاره بكلمتها أو حضورها.
لم أدرك ما كنت أفعله إلا لاحقاً. كنت قد أصبحت "غاتسبي".
في رواية ف.سكوت فيتزجيرالد، "غاتسبي العظيم"، ثمة ضوءٌ أخضرُ يتلألأ عند طرف رصيف محبوبته "دايزي"، يراه "غاتسبي" من قصره في الضفة الأخرى. ظل يحدق فيه، وبنى حياته برمتها حوله؛ الحفلات الصاخبة، والثروة الطائلة، وإعادة ابتكار نفسه من العدم ليصبح شخصاً مبهراً. كان ذلك، بكل تفاصيله، موجهاً نحو امرأة واحدة لم تره يوماً بالشكل الذي كان يرجوه. إن ذلك الضوء الأخضر ما هو إلا الرغبة في نيل إعجاب أحدهم، ذلك الحلم الذي يدفعك للركض نحو شاطئٍ لا ينفكّ يبتعد كلما اقتربت.
لقد كان لي ضوئي الأخضر، بل أضواءٌ عديدة : فخرُ عائلتي، وإعجابُ أساتذتي، وعيناه هو.. حين تلتفتان نحوي.
وتماماً ثل "غاتسبي"، تجسدت براعتي في الركض، لكني كنتُ أقل براعةً في التساؤل: لماذا أركض أصلاً؟
إن المعضلة في مطاردة رؤية الآخرين لنجاحك هي أنك حتى حين تظفر بها، تجدها لا تناسبك. تمسك بها، فلا تشعر بشيء، أو ربما و الأغرب من ذلك، تشعر بغياب الشخص الذي كان من المفترض أن تهدي إليه هذا النجاح، لتدرك أنه لم يكن يوماً مكترثاً بالقدر الذي تخيلته. "دايزي" لم تبكِ فوق قمصان "غاتسبي" حباً فيه، بل بكت لأنها ذُهلت بما تمثله هي بالنسبة إليه، وهذا في حد ذاته لونٌ من ألوان الوحدة. وأنا أعرف تلك الوحدة جيداً.
وفي لحظة ما، لا يمكنني تحديدها بدقة، نال مني التعب. ليس التعب من النجاح، فأنا لا أملّ منه أبداً، بل تعبتُ من وجود "الجمهور". تعبتُ من مسرحة حياتي لأشخاص يجلسون في مقاعد لا يدركون أنهم يشغلونها. تعبتُ من الضوء الأخضر، ومن المياه التي تفصل بيننا، ومن محاولات الوصول المضنية.
لذا، قررتُ أن أفلت يدي. وحين فعلت، حدث ما لم أكن أتوقعه: اكتشفتُ ما أريده حقاً. ما يثير حماسي فعلاً. ما أشعر بالفخر الحقيقي تجاهه؛ ذلك النوع من الفخر الذي لا يحتاج إلى شاهد. فهمتُ أني شخصٌ يستحق أن أنجح من أجله. واتضح أن تقديري لذاتي، ذلك التقدير الذي نلتُه بشق الأنفس وببصيرة جلية، أثمنُ بكثير من الاستحسان الجماعي لكل أولئك الذين حاولتُ إبهارهم يوماً.
ما زلتُ أعمل بجد، وربما بجدٍّ أكبر، لكن الشخص الذي أعمل لأجله الآن هو مَن يرمقني في المرآة…أنا… والأجدر بالإبهار من الجميع. ما زال الضوء الأخضر هناك في مكان ما، لكني ببساطة.. لم أعد أُطيل النظر إليه.

