أثار برنامج "مش مسرحية" في قناة "إم تي في"، موجة واسعة من الجدل، بعدما انتشرت مقاطع مصورة من إحدى حلقاته، ظهرت في أحدها الشابة مريم صيداني وهي تخاطب المرشد الإيراني باللغة الفارسية، قبل أن تخطئ في اسمه وسط حالة انفعال. غير أن ردود الأفعال لم تتوقف عند حدود النقد السياسي أو الاختلاف الفكري، بل تحولت سريعاً إلى حملة تنمر وإهانات شخصية طاولت شكلها وطريقة كلامها ومظهرها، في مشهد يعكس هشاشة المساحة العامة اللبنانية أمام أي نقاش سياسي صريح بين الشباب.
والبرنامج، الذي يقدمه الإعلامي جو معلوف، يقوم على جمع شبان وشابات من خلفيات سياسية وطائفية متناقضة، وفتح مساحة مواجهة مباشرة بينهم حول قضايا حساسة تتعلق بالمقاومة والتطبيع والهوية والسياسة اللبنانية. لكن ما بدا محاولة لكسر الفقاعات السياسية في المجتمع اللبناني، تحول بالنسبة إلى كثير من المشاركين إلى تجربة قاسية من التشهير والتنمر الإلكتروني.
وقال معلوف في حديث مع "المدن" أن فكرة البرنامج تقوم أساساً على "فتح مساحة للشباب اللبناني كي يختلف مع بعضه البعض، ومن هذا الاختلاف نحاول إيجاد نقاط مشتركة للحديث عن المستقبل، وعن شكل لبنان الذي نريده". وأكد أن الهدف ليس الاستفزاز المجاني، بل "النقاش الحقيقي الصريح والواضح، بعيداً من التزييف والتخباية"، معتبراً أن الاعتراف بحجم الانقسامات هو المدخل الوحيد للبحث عن حلول.
وأشار معلوف إلى أن الفئة المستهدفة هي الشباب بين 18 و30 عاماً، نافياً مشاركة القاصرين في النقاشات السياسية، باستثناء أطفال ظهروا كضيوف في بعض الحلقات "من دون أي نقاش سياسي"، لكنه أقر بأن المشاركين يتعرضون لحملات تنمر واسعة بسبب "لغة صريحة تشبه ما يقال في البيوت والمقاهي والجامعات، لكن للمرة الأولى تقال وجهاً لوجه وعلى الهواء". ورأى أن المشكلة لا تكمن في الآراء بحد ذاتها، بل في عجز المجتمع عن تقبل الاختلاف، موضحاً أن معظم ردود الأفعال لم تناقش الأفكار المطروحة، بل ذهبت مباشرة نحو الإهانات الشخصية.
وقال معلوف: "الغالبية الساحقة من التعليقات كانت عن الشكل والمظهر وطريقة الكلام وحتى الميول الشخصية، لا عن مضمون النقاش. نحن كمجتمع غير معتادين على الاعتراف باختلافاتنا أو الحوار انطلاقاً منها، لذلك يتحول أي اختلاف إلى شتيمة وهجوم شخصي".
واختبرت صيداني ذلك الواقع بشكل مباشر، وقالت في حديث مع "المدن" أنها ربما كانت "أكثر شخص تعرض للتنمر في تاريخ البرنامج"، مشيرة إلى أن مقاطعها المجتزأة ساهمت في تضخيم الهجوم عليها وتشويه مواقفها. وأوضحت أن بعض تصريحاتها المتعلقة بالفلسطينيين والسوريين أخرجت من سياقها، مضيفة أنها لم تكن تقصد الشعب الفلسطيني أو السوري، بل كانت تتحدث عن الأنظمة والسياسات وتأثيرها في لبنان. وأضافت أن ضيق الوقت والمونتاج جعلا أفكارها تبدو مبتورة، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الشتائم والسخرية.
ورغم الانتقادات، رأت صيداني أن هذه النوعية من البرامج ربما تشكل مساحة مهمة لإعادة إشراك الشباب اللبناني في السياسة والنقاش العام، وشددت على ضرورة وجود "ضوابط معينة" تحمي المشاركين من التحريض والتنمر.
من جهتها، روت رينا حبلص، وهي خريجة علوم أحياء وتحمل شهادة في التسويق والذكاء الاصطناعي، أن مشاركتها في البرنامج كانت مدفوعة برغبتها في الدفاع عن قناعاتها السياسية المرتبطة بفكرة "المقاومة"، والحوار مع أشخاص يملكون توجهاً معاكساً.
وقالت حبلص في حديث مع "المدن" أن التجربة كانت "جميلة" رغم كل شيء، لأنها شعرت للمرة الأولى بإمكانية النقاش المباشر مع أشخاص يختلفون معها جذرياً. لكنها، في المقابل، تعرضت خلال الحلقة وبعدها لسلسلة من الإهانات والاتهامات، بينها وصفها بـ"الخائنة" واتهامها بالإساءة إلى الرسول. ورأت حبلص أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم قدرة اللبنانيين على الفصل بين الاختلاف السياسي والهجوم الشخصي، معتبرة أن الحوار، مهما كان حاداً، يبقى أفضل من الانغلاق داخل البيئات السياسية المغلقة.
إلى ذلك، انتقل السجال إلى المستوى القضائي، بعدما تقدم عدد من المحامين والمعلمين والناشطين اللبنانيين بطلب أمام قاضي الأمور المستعجلة في بيروت لوقف بث البرنامج. واعتبر مقدمو الطلب أن البرنامج يهدد السلم الأهلي ويحرض مذهبياً، كما اتهموه بـ"الترويج للعدو الصهيوني" ومخالفة قانون الإعلام المرئي والمسموع، إضافة إلى إشراك أطفال وقاصرين "بطريقة غير مهنية".
في المقابل، قالت مصادر من "MTV" لـ"المدن" أن القناة لم تتبلغ بالدعوى حتى الآن، فيما أكد فريق البرنامج أن الاتهامات المتعلقة بوجود "أجندات سياسية أو صهيونية" لا أساس لها من الصحة، مشددين على أن الأجندة الوحيدة هي محاولة فهم الرأي العام اللبناني وتشجيع الشباب على الاعتراف بخلافاتهم بدلاً من إنكارها.




