قد تكون المرة الأولى في التاريخ التي يُستحدث فيها مخيم للنازحين، في وسط العاصمة. الوسط، بمعناه السياسي، هو موقع لاستضافة تحركات احتجاجية وفعاليات سياسية وثقافية وعروض عسكرية، كما يُكرم فيه الضيوف من الطراز الرفيع.. لكن، خلافاً لذلك، فلا خيام تُنصب فيه، لا نازحين يقيمون في وسطه، مما يجعل واقعة "المخيم الأزرق" المستحدث عند واجهة بيروت البحرية، بمثابة سابقة تاريخية.
ولا يمكن عزل السابقة تلك، عن دلالاتها السياسية والاجتماعية. يتكرس هذا المخيم كموقف احتجاجي، أكثر من كونه موقعاً لإقامة دائمة أو مؤقتة. احتجاج صامت، لا صدامات فيه مع القوى الأمنية، ولا شعارات سياسية تُرفع فيه. وجود المخيم، بشكله المنظم والمرقّم، يظهر على أنه تذكار دائم لقضية إنسانية ذات أبعاد سياسية.
مناكفة سياسية
يتناكف مؤيدو إبقاء النازحين في وسط بيروت، مع معارضي هذا الطرح التنظيمي. يقول الفريق الأول إن هؤلاء، يلجأون إلى المساحات العامة، بسبب غياب البديل. أما معارضوه، فيقولون إن العاصمة تتحول شيئاً فشيئاً إلى مخيم كبير، وإن السياحة في البلاد تُضرب، نتيجة مخيم في موقع يُفترض أنه الأرقى في العاصمة. ويذهب آخرون الى اعتبار الموجودين المخيم، ضرورة سياسية، بهدف الإنقضاض على العاصمة في حال اتخذ أي قرار بالسيطرة عليها.
بطبيعة الحال، يعبّر المعارضون للمخيم عن هواجس سياسية محقة، ولو أنها تنطوي على مبالغة في سياقها الأمني، أو تنطوي على طبقية في سياقها السياحي.. أما أنصار تنظيم النازحين، فتبدو حجتهم ضعيفة، لأن البدائل قد تكون متوافرة، في حال لم يكن هناك هدف سياسي للبقاء في الوسط.
ويذهب بعض المغالين برفضهم للمخيم، الى اعتباره "وادي أبو جميل آخر"، في إشارة الى منطقة وادي أبو جميل التي استضافت مئات النازحين ممّن احتلوا المباني القائمة، ولم يخرجوا منها إلا بتسوية مع الدولة اللبنانية عبر دفع أموال لهم عبر الصندوق الوطني للمهجرين. غير أن هذه القضية مبالغ فيها، كون مباني وادي أبو جميل كانت مملوكة لأشخاص، ولاحقاً استحوذت "سوليدير" على أجزاء منها. أما هنا، فالمخيم قائم في موقع عام، وأحبطت الحكومة تحويله الى مقر يتخطى خيمة زرقاء.
تذكار دائم
الحال أن المخيم، بشكله الحالي، المنظّم والمرقم، يعني أنه مستمر، إلى حين إيقاف الحرب. يمثل ببعده السياسي، تذكاراً دائماً بأن هناك قضية، يجب أن تُحل، لا أن تذهب أدراج النسيان في حال توارى هؤلاء في مركز إيواء المدينة الرياضية، أو في المنازل. بقاؤهم في وسط العاصمة، يعني أنه معلم سياسي وإنساني، يشاهده السياح، كما الميسورون والسياسيون من ابناء البلد، ويراه الدبلوماسيون والزوار الاأجانب والصحافيين.. سيعتاد هؤلاء على المشهد في فترة لاحقة، ويتآلف السياح في مقاهي وسط بيروت مع وجود مخيم للنازحين، لكنه سيبقى يذكر الجميع بقضيتهم.
فضلاً عن ذلك، يتحول المخيم الأزرق الى وسيلة ضغط على الفعاليات السياحية والثقافية. وجوده في الموقع، سيحرم العاصمة من فعاليات كانت استضافتها في وقت سابق العام الماضي.. وتالياً، سيصبح المكان منبوذاً سياحياً، إسوة بوسط بيروت خلال اعتصام قوى 8 آذار في ساحة رياض الصلح في 2006، وطوال عامَين، مما أدى الى خمول العاصمة الاقتصادية وموتها لاحقاً.
هواجس نكبتَين شيعيتَين
ما يمثله المخيم، إذن، أبعد من احتجاج. هو محاولة للتعامل مع هواجس تاريخية عبر الضغط على الحكومة والمجتمع الدولي: بيروت مقابل جبل عامل. في الوقت الراهن، تمثل العاصمة الخيار الأقل كلفة دموية، بالنظر الى أن اختيار أي مكان آخر، سيترتب عليه اقتتال أهلي، وهو ما يظهر في الإصرار على اختيار وسط بيروت كموقع للضغط السياسي.
فالهواجس التاريخية، تنطلق من واقعتين تاريخيتين أساسيتين، الأولى خلال الحملة الصليبية الأولى في العام 1108 على طرابلس، التي أطاحت "إمارة بني عمار" في العام 1109 بعد انقطاع الإمدادات الفاطمية الى الإمارة المحاصرة. وبعد مقتلة كبيرة، إضطر الشيعة للتوجه جنوباً باتجاه أقربائهم في جبيل وكسروان، فيما اختار آخرون جبل عامل.
أما النكبة الثانية، فحصلت في العام 1305، إثر حملة المماليك، مما دفع الشيعة للهرب الى بعلبك في شرق لبنان، وإلى جزين وجبل عامل. بات جبل عامل، الملاذ الأخير. لم يغادروه رغم ما يسميه المؤرخون "بطش والي عكا". وما زال الآن الملاذ الأخير، رغم البطش الإسرائيلي. وما الإصرار على البقاء في مخيم وسط بيروت، إلا طريقة لمواجهة جروح التاريخ.




