تخلص التقييمات الإعلامية والسياسية في إسرائيل، إلى أن قيادة جيشها وجنودها ينتابهم حالة من التوتر والضبابية والحذر بشأن مآل الأمور في جبهة لبنان، على ضوء أنباء عن شمول لبنان ضمن مذكرة التفاهم المرحلية بين أميركا وإيران، رغم محاولات المستويين العسكري والسياسي في تل أبيب، البعث برسائل مفادها أن المعركة في الجبهة الشمالية مستمرة حتى تحقيق أهدافها، وأن هناك خططاً لتشديد الضربات ضد "حزب الله".
خشية من قيود أكبر
ولعل أبرز ما يُقلق إسرائيل من أي تفاهم "مبدئي" أو اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، هو أن ينتج عن ذلك، قيود أكبر على حرية الجيش الإسرائيلي في تحركاته بلبنان وجبهات أخرى، وهو ما أكدته الإذاعة العبرية العامة في نشرتها الصباحية. والحالُ أن الجيش الإسرائيلي يُبدي رفضه لوقف عمليته في لبنان بهذه الطريقة، بذريعة أن ذلك يضر بما حققه حتى الآن، أي أنه يساور المستوى السياسي، القلق نفسه من تداعيات أي اتفاق أميركي إيراني على جبهة لبنان. لكن الجدل الداخلي في الأيام الماضية، تمحور حول كيفية التخلص من القيود الأميركية التي تمنع الجيش من تنفيذ ضربات مباغتة وأشد في عموم لبنان ضد حزب الله، بدعوى أن طريقة سير العملية على هذا النحو، قد منحت مقاتلي الحزب زمام المبادرة في تنفيذ هجمات موجعة بالمسيّرات، وخصوصا تلك العاملة بالألياف الضوئية.
تطورات الميدان.. "المقرر الحقيقي"
وكان السؤال عن مصير جبهة لبنان في أي اتفاق أو تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، محورا رئيسيا في المعالجات الإخبارية في التلفزيونات والإذاعات والصحف العبرية، منذ الحديث عن اقتراب الطرفين من توقيع مذكرة تفاهم مرحلية لبناء الثقة؛ تمهيدا لمفاوضات جادة بشأن الملفات الخلافية. وأجاب المراسل العسكري للتلفزيون العبري الرسمي، بالقول إن القلق الأكبر يكمن في أن تكون التطورات الميدانية في جبهة لبنان، هي "المقرر الحقيقي" لوجهة القتال بنهاية المطاف، مشيرا إلى أن الأمور قد تتجه لتصعيد أكبر بلبنان، بغض النظر عن العوامل الأخرى، بما فيها ما وصفها "الإشكالية" المتمثلة في بقاء العلاقة بين الجبهة اللبنانية وإيران، على حد تعبير المراسل الإسرائيلي الذي نوه كذلك بأن المحادثات المباشرة بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني، هي الأخرى تشوبها علامات استفهام كبيرة، وتحديدا ما يتعلق بإمكانات تقدمها في ظل بقاء القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية وتدميرها للبلدات والقرى الجنوبية.
محاولات إسرائيلية لتبديد "الغموض"
بدورها، نسبت تقارير عبرية إلى مصادر أمنية في تل أبيب، بأن القيادة الشمالية بالجيش الإسرائيلي تحاول حاليًا تبديد "الغموض" المحيط بالأسئلة الأساسية في ظل التقارير القادمة من إيران، وخصوصا ما يرتبط بنوع وقف إطلاق النار الذي يُمكن تطبيقه فعليًا في لبنان بموجب تفاهم بين واشنطن وطهران، وما هي التعليمات العملياتية الدقيقة للقوات الاسرائيلية التي ستبقى في الميدان؟
كما نقلت صحف عبرية عن مصادر عسكرية، زعمها أن الجيش بحاجة إلى عدة أسابيع لإتمام مهمته في لبنان، وأنه يقوم الآن بتحديث إجراءاته سواء فيما يتعلق بالتعامل مع مسيّرات حزب الله المفخخة أو ما يسميها بنيته التحتية العسكرية، كما ادعى مراسلون عسكريون إسرائيليون في إفاداتهم، أن الهجمات الأخيرة على لبنان، هدفها تهيئة بنية تحتية للقوات الإسرائيلية لتنفيذ خطة موسعة ضمن سيناريو تشديد القتال والالتفاف على القيود الأميركية المفروضة على الجيش الإسرائيلي في لبنان. ورصدت "المدن" تسريبات إسرائيلية كشفت أن الخطة العسكرية الموسعة ضد حزب الله، كانت على وشك التنفيذ خلال الأيام الماضية، وذلك بالتزامن مع استئناف الحرب على إيران، لكن تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن شن الهجوم على الجمهورية الإسلامية بفعل جهود كثفها الوسطاء لمنع عودة الحرب وحل الأزمة سياسيا، قد أجل تنفيذ الخطة الإسرائيلية وتسبب بإحباط لدى قادة الجيش. وكأنّ أحد أهداف إسرائيل من عودة الحرب على إيران، هو التحرر من قيود واشنطن بخصوص لبنان!
الواقع يفرض "وتيرة مختلفة"!
في المحصلة، يبدو التوتر سيدّ الموقف بالنسبة للقادة العسكريين الإسرائيليين، فمن جهة، تؤكد تقارير عبرية رغبتهم في تنفيذ أكبر عدد ممكن من العمليات، بل وتوسيعها.. ومن جهة أخرى تروّج مواقع أمنية عبرية أن حزب الله قد يصبح "أكثر جرأة" عندما يشعر بأن كل شيء على وشك الانتهاء أو التوقف. مع ذلك، تعود صحيفة "يديعوت أحرونوت"، لتشير إلى أن الواقع الحالي يفرض "وتيرة مختلفة"، وأن القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي تعيد تنظيم المنطقة استعدادًا لوقف القتال، الذي لا تزال طبيعته والقواعد التي سيتم بموجبها "غير واضحة إطلاقًا"، وسط تأكيدات عسكرية إسرائيلية أن القرار يعتمد مباشرة على نتائج المفاوضات ومخرجاتها. وهذا يعني أن تنفيذ جيش الاحتلال ضربات موسعة على لبنان لمحاولة تثبيت وقائع قبل أي قيود جديدة بموجب تفاهم أميركي إيراني ما، يبقى سيناريو مفتوحا، بالنظر إلى عقلية إسرائيل وسلوكها في هكذا ظروف.
حوار أميركي- إسرائيلي
وفي خضم الغموض الذي يكتنف مصر جبهة لبنان، تتحدث تحليلات عسكرية إسرائيلية عن حوار أميركي إسرائيلي مستمر، مشيرين إلى أن تل أبيب تتخذ من مضمون الخطاب الأخير لأمين عام حزب الله نعيم قاسم، حجة لإقناع واشنطن، بأن المعركة في لبنان لم تحقق أهدافها بعد.
وبحسب مقالات لباحثين إسرائيليين في شأن حزب الله، فإن المقاربة الأميركية حتى لو قضت بقيود على العمليات الإسرائيلية، فإنها تُبقي على سيناريو يجمع بين الضغط العسكري والسياسي والمالي على الحزب حتى "حسم أمره"، وهو ما يعني أنه لا خلافات جوهرية بين واشنطن وتل أبيب بشأن الغاية النهائية، وإن تباينتا حول الوسائل وبعض الأولويات والمصالح.
تحريض لتعميق التوغل الإسرائيلي
ثمة جانب آخر تتذرع به إسرائيل لمواصلة عدوانها على لبنان، ألا وهو عملياتي، إذ يدعي الموقع العبري المهتم بالشؤون الأمنية "إنتيل تايمز"، أنه بينما ينتشر الجيش الإسرائيلي في مواقع ثابتة في ما أسماه "شريط أمني" بعمق 10 كيلومترات من الأراضي اللبنانية، فإن حزب الله طور مسيّراته المفخخة للوصول إلى مدى 30 كيلومترا. وزعم الموقع العبري أنه إذا لم يقم الجيش الإسرائيلي بهجوم بعمق أكبر داخل لبنان، فإنه يبقى مكشوفا داخل "الشريط الأمني". كما دعا الموقع ذاته في منشور آخر، إلى القيام بعملية واسعة تستهدف مراكز التوزيع والتفعيل والإمداد المتعلقة بمسيّرات حزب الله، وإلا فإن الأمر سيؤدي إلى فشل عملياتي إسرائيلي، وفق قوله.




