مراسل "أكسيوس": صحافي التسريبات أم قناة للرسائل السياسية؟

راغب مليالأحد 2026/05/24
Image-1779618978.Jpg
باراك رافيد (هآرتس)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الصحافة السياسية، لا تكمن القصة دائماً في المعلومة نفسها، بل في الطريق الذي سلكته حتى وصلت إلى الصحافي. وفي حالة باراك رافيد، مراسل "أكسيوس"، يصعب تجاهل هذه المسألة، فاسمه يتردد في كل ملف يُفترض أنه سريّ، من المفاوضات النووية مع إيران، إلى أدق تفاصيل العلاقة الأميركية الإسرائيلية.

لا يثير هذا الحضور المتكرر التساؤل عن كفاءته كصحافي، بقدر ما يثيره عن طبيعة الوصول نفسه: من يقرر؟ من يعرف؟ ولماذا؟ هل رافيد صحافي نجح في كسب ثقة مصادر نادراً ما تتكلم، أم أن ما نراه انعكاس لمنظومة تسريبات تتحرك فيها المصالح السياسية بقدر ما تتحرك فيها الأخبار؟

وتتزاحم تلك الأسئلة بعد عدة إفادات صحافية، قال فيها إن إيران توصلت الى اتفاق مع الولايات المتحدة، قبل أن ينفي الإيرانيون تلك المعلومات. 

ولعل المدخل الطبيعي لتلك الهالة، هو رافيد نفسه: من هو؟ ومن أين جاء؟ وكيف وصل إلى هنا؟

 

من هو باراك رافيد؟

وُلد باراك رافيد عام 1980 في الأراضي المحتلة، ودخل مجال الصحافة السياسية الإسرائيلية قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المشهد الإعلامي الأميركي. عمل في مؤسسات مثل "هآرتس" و"واللا"، قبل أن يصبح مراسلاً لمنصة "أكسيوس" الأميركية، ثم محللاً في شبكة  CNN.

وخلال عمله الصحافي، ركّز اهتمامه وتخصص في ملفات محددة تشمل العلاقات الخارجية الإسرائيلية، والأمن القومي، والدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط. هذا التخصص يفسر جزءاً من حضوره الحالي، لأن هذا النوع من الصحافة يقوم في جوهره على بناء شبكات علاقات طويلة الأمد مع مسؤولين ودبلوماسيين ومصادر أمنية، أكثر مما يعتمد على التغطية الخبرية اليومية التقليدية.

لكن انتقاله إلى واشنطن كان نقطة تحوّل حقيقية. فهناك لم يعد مجرد صحافي إسرائيلي يتابع السياسة الخارجية، بل أصبح جزءاً من بيئة إعلامية أميركية قريبة من مراكز القرار. وقد عزز ذلك حضوره المهني بحصوله على تقدير داخل واشنطن نفسها، من بينها جائزة من رابطة مراسلي البيت الأبيض، وهو ما يعكس حضوره المتزايد داخل المشهد الإعلامي الأميركي.

Image-1779619021.Jpg
باراك رافيد (سوشيال ميديا)

كما أن تقريراً نشرته Vanity Fair تناول صعوده بوصفه واحداً من أكثر الصحافيين حضوراً في تغطية دبلوماسية الشرق الأوسط، مسلطاً الضوء على قدرته على الوصول إلى دوائر صنع القرار الأميركية والإسرائيلية، وهو توصيف يعكس كيف يُنظر إليه خارج البيئة الإسرائيلية أيضاً.

 

الخلفية الأمنية

ثمة عنصر آخر لا يمكن إغفاله عند قراءة شخصية رافيد المهنية. فقد خدم خلال خدمته العسكرية الإلزامية في وحدة 8200، وحدة الاستخبارات الإلكترونية التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وهي من أكثر المؤسسات الأمنية نفوذاً، وخرج منها عدد كبير من الشخصيات التي شغلت لاحقاً مواقع مؤثرة في الأمن والسياسة وقطاع التكنولوجيا.

ولا يشكل ذلك بحد ذاته دليلاً على أي ارتباط استخباراتي لاحق، لكنه يضعه ضمن بيئة تتقاطع فيها السياسة والأمن والإعلام بصورة وثيقة، حيث تتحرك النخب داخل شبكات مهنية واجتماعية متداخلة. وقد يساعد ذلك، إلى حد ما، في تفسير فهمه لطبيعة المؤسسات الأمنية، وآليات عملها، واللغة التي تُدار بها الملفات الحساسة.

 

الصحافة من داخل دوائر النفوذ

لا يكتمل تفسير هذه الظاهرة بالعودة إلى خلفيته الشخصية فقط، إذ يرتبط جزء من الإجابة بطبيعة المجال الذي اختاره. يعمل رافيد في واحدة من أكثر مساحات الصحافة اعتماداً على المصادر المغلقة والتسريبات السياسية.

في ملفات مثل إيران، لا تُسرّب المعلومات دائماً بهدف الكشف الصحافي وحده، بل لأن جهة ما تريد أن تصل هذه المعلومة إلى العلن في لحظة محددة ولغرض محدد، سواء للضغط ضمن سياق تفاوضي، أو للتأثير في النقاشات داخل دوائر القرار، أو لإيصال رسائل غير مباشرة إلى خصوم وحلفاء.

إنطلاقاً من ذلك، فإن تكرار اسم رافيد في هذه الملفات لا يرتبط فقط بقدرته على الوصول إلى المعلومات، بل أيضاً بكونه صحافياً ترى بعض الجهات أنه قادر على نقل رسائلها بدقة وفاعلية.

ويتسق ذلك مع طبيعة منصة "أكسيوس" نفسها، التي تقوم على نموذج الأخبار الحصرية والوصول المباشر إلى صناع القرار. ويتحرك رافيد بين الإعلام الإسرائيلي والمشهد الأميركي في وقت تتقاطع فيه واشنطن وتل أبيب في معظم ملفات المنطقة، مما يمنحه موقعاً يصعب تجاهله في ملفات مثل إيران.

 

علاقته بمكتب نتنياهو ومصادره

هذا الحضور المتكرر، فتح الباب أمام تساؤلات بشأن علاقته بمكتب بنيامين نتنياهو، خصوصاً مع تكرار ظهوره في ملفات حساسة. إلا أن المعطيات المتاحة لا تدعم فرضية وجود علاقة سياسية مباشرة أو اصطفاف ثابت، بل إن رافيد وُصف في مراحل سابقة بأنه من منتقدي نتنياهو.

في الوقت نفسه، لا يعني غياب مؤشرات على اصطفاف سياسي مباشر، غياب مصادر من محيط مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي. ففي عالم التسريبات السياسية، لا يكون الانسجام السياسي هو العامل الحاسم، بل الثقة بقدرة الصحافي على إيصال الرسالة إلى الجمهور المناسب، وفي اللحظة المناسبة.

أما بشأن الأجهزة الاستخباراتية، فلا توجد أدلة علنية تشير إلى علاقة مؤسسية بين رافيد وأجهزة استخبارات إسرائيلية أو أميركية. لكن طبيعة تقاريره، وخصوصاً المتعلقة بالبيت الأبيض ومجلس الأمن القومي الأميركي، تشير بوضوح إلى امتلاكه شبكة قوية من المصادر داخل دوائر الأمن والسياسة الخارجية.

لا تبدو حالة باراك رافيد قابلة للتفسير من زاوية واحدة، سواء بالحديث عن شبكة مصادره أو بالعودة إلى خلفيته الأمنية السابقة. فطبيعة حضوره المتكرر في هذا النوع من الملفات تعكس موقعاً مهنياً خاصاً عند تقاطع الإعلام والسياسة والأمن. في هذا السياق، قد لا يكون السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو كيف حصل على المعلومة، بل ما الذي يجعل بعض الجهات تختاره، مراراً، لتكون المعلومة في حوزته أولاً؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث