جمال سليمان مع الشرع: واقعة سياسية تتخطى الصورة

مصطفى الدباسالخميس 2026/05/21
Image-1779361798.Jpg
"قصر الشعب" في الذاكرة السورية فضاء مثقل بتاريخ طويل من العلاقة المغلقة بين الحاكم والمجتمع
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يمكن التعامل مع زيارة الممثل السوري جمال سليمان إلى قصر الشعب ولقائه بالرئيس أحمد الشرع، كزيارة فنان معروف إلى رئيس الدولة فقط، خصوصاً أن المنشور الذي رافق الصورة لم يتحدث عن الدراما أو الثقافة أو عودة الإنتاج الفني، وإنما عن العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وهما ملفان يقعان في صلب المرحلة السورية الجديدة، ويحددان شكل العلاقة بين الدولة والضحايا والمجتمع. 

 

من هذه الزاوية، تبدو الصورة التي نشرها سليمان، واقعة سياسية بقدر ما هي واقعة رمزية، لأنها جمعت فناناً ذا حضور عربي بتاريخ معارض سابق، ورئيساً يسعى إلى تثبيت صورة دولة قادرة على استقبال شخصيات جاءت من خارج بيئتها المؤيدة المباشرة.

 

صورة ولقاء

في الأسبوع الماضي، نشر سليمان صورة جمعته بالرئيس الشرع في قصر الشعب بدمشق، وكتب أنه تشرف بلقاء السيد رئيس الجمهورية، واستمع منه إلى حديث عن المصالح الوطنية والطموحات التنموية، مضيفاً أن اللقاء أتاح له، بصفته مواطناً سورياً، الحديث عن أهمية العدالة الانتقالية إلى جانب المصالحة الوطنية الشاملة، وأنه لمس اهتماماً من الشرع بهذه المسألة.

 

وجاء اللقاء ليضع سليمان مجدداً في قلب السجال السوري، كممثل يلتقي برأس الدولة الحالية، وكإسم انخرط في العمل السياسي المعارض بعد العام 2011، وكان من أبرز الوجوه المرتبطة بـ"منصة القاهرة"، وعضواً سابقاً في "هيئة التفاوض السورية"، قبل أن تعيده الصورة الأخيرة إلى نقاش قديم حول علاقة الوجوه العامة بالسلطة، وحدود المسافة الممكنة بينها وبين مركز القرار.

 

ولم ينفصل السجال الدائر حول سليمان المواطن والفنان عن تاريخه السياسي ومواقفه خلال السنوات الماضية، فهو اتخذ موقفاً معارضاً من نظام الأسد وغادر سوريا بعد تهديدات أمنية مطلع العام 2012، وتعرض خلال المرحلة الانتقالية لهجمات من جمهور محسوب على السلطة الجديدة، خصوصاً بعد مواقفه النقدية من بعض ما جرى في البلاد ومن مخاوف تتصل بالعنف والعدالة والمحاسبة، وصور في تلك الحملات كصاحب طموح سياسي، أو كوجه من وجوه المعارضة القديمة التي تنظر بارتياب إلى السلطة الجديدة.


قصر الشعب

ويمكن قراءة صورة جمال سليمان مع أحمد الشرع من زاوية المكان أولاً، فـ"قصر الشعب" في الذاكرة السورية ليس مقراً رئاسياً عادياً. فهو فضاء مثقل بتاريخ طويل من العلاقة المغلقة بين الحاكم والمجتمع، وبين الدولة والوجوه العامة التي كان دخولها إليه يكتسب تلقائياً معنى القرب والرضى والاعتراف، خصوصاً أن الظهور في "حضرة الرئيس" يتحول إلى إشارة سياسية كاملة، حتى حين يحاول أصحابه تقديمه ضمن إطار اجتماعي أو مهني أو وطني.

 

فالصورة، في الحالة السورية، لا تستمد معناها من لحظة التقاطها وحدها، وإنما من الأرشيف الذي تستدعيه، ومن اللغة التي رافقتها، ومن موقع صاحبها في الذاكرة السياسية للجمهور. كما تحمل الصورة مكسباً رمزياً واضحاً، غير أن قيمة هذا النوع من اللقاءات تبقى مرتبطة بما يليها، لأن الانفتاح يقاس بقدرة الدولة على تقديم مسار واضح للعدالة الانتقالية، ومنع تحويل المصالحة الوطنية إلى عنوان واسع بلا محاسبة.

 

وحسب نقاشات مواقع التواصل، تبدو دلالة الصورة الأهم في أنها أعادت فتح السؤال القديم عن علاقة المثقف بالدولة في سوريا، داخل مرحلة جديدة لم تستقر سياقاتها بعد. فالمطلوب من الوجوه العامة اليوم هو بناء مسافة واضحة تسمح بالحوار من موقع مستقل، وتحمي النقد من التخوين، وتمنع تحويل اللقاءات الرئاسية إلى صور رضى متبادل. وهذا تحديداً ما سيحدد معنى صورة سليمان لاحقاً، عندما يظهر إن كانت ستتحول إلى مدخل لمساءلة علنية حول العدالة والمصالحة، أو ستنضم إلى أرشيف الصور السورية التي تقرأ بعد سنوات كعلامات على لحظة التباس جديدة بين الفن والسياسة والسلطة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث