امرأة عارية في وضح المهانة

بسمة الخطيبالأربعاء 2026/05/20
عارية كورنيش بيروت
حجم الخط
مشاركة عبر

تتعرّى الأشجار من أوراقها عندما تستشعر الخطر، برداً كان أو ثلجاً أو جليداً أو أمطاراً عنيفة... التعرّي عملية وقائية، استجابة للخطر ودعوة للسّبات وتقبّل الواقع. حين تبدأ الشجرة بخسارة الكلوروفيل ورفقة الشمس، تعرف أنّها في أضعف حالاتها. تتخلّى عن الأوراق لأجل أن يبقى الغصن والجذع. تُلقي ذخيرتها العزيزة وتلوذ بالصمت والعجز متمنّيةً أن تختفي عن أنظار أعدائها.  
 

النساء شبيهات بالأشجار، ويبدو أنّهنّ أيضاً يتعرّين حين يشتدّ الخطر وتعجز أدوات الاستنجاد الأخرى. لهنّ تاريخ طويل وأليم مع العريّ. سواء عُرّين في أسواق النخاسة وفي مراكز استقبال المهاجرين وفي معسكرات الإبادة، أو تعرّين لأزواجهنّ، أو أمام الطلّاب في كلّيّات الفنون الجميلة، أو أمام الرسّامين والنحّاتين والمخرجين والممثّلين ومديري الإضاءة، سواء احترفنَ التعرّي واسترزقن منه، أو استخدمنه لتشجيع الجنود على صدّ الغزاة، أو تعرّين للاحتجاج النسويّ والبيئي والثقافي، في كلّ هذه الأحوال يبقى العريّ أداة قويّةَ التعبير وعاليةَ الصوت وعميقةَ الأثر. 
 

قفزَت كلّ المتعرّيات إلى أذهاننا حين خرجت امرأة عارية حافية إلى شوارع بيروت ومشت على كورنيش البحر. بيدٍ مرتجفة راحت تشعل سيجارتها، جلست على مقعد مديرةً ظهرها للموج، وضعت ساقاً على ساق، ربّما هزّت ساقها أو كانت تهتزّ وحدها بفعل عصبيّ واضح. شعرها مشعث حالك السواد يبدو دهنياً متّسخاً، في معصم يدها اليمنى سوار يشبه سوا مرضى المستشفيات... 

 

هاربة من مستشفى، إلى الشمس والبحر وعيون الناس. لم تحمل يافطة ولم تقل إنّها تعترض على أمر، لم تطالب بحماية البيئة واستخدام الدرّاجة الهوائية وتخفيف الانبعاث الحراري ومنع التجارب على الحيوانات... الأرجح أنّ ما تعترض عليه هذه المرأة أكبر من أن يُحصر في يافطة أو شعار. 


كلّ أثواب خزيِنا 

التعرّي في الأماكن العامّة تمرّد على السلطة والأعراف الاجتماعيّة. هذا أمر بديهيّ، لكنّ ما يستجدّ اليوم أنّ ذاك الجسد الذي رأيناه هو أكثر هشاشة من أن يتمرّد، من أن يخطّط وينفّذ. الأرجح أنّ السيّدة العارية -التي بدت تحت سطوة أزمة عصبيّة- ستعي لاحقاً (إن وعت) بأنّها خرجت عارية. هي لا تخلع أثواب الرياء وأقنعة الزيف والأوهام، ولا يهمّها أن يكون جسدها ساحة صراع اجتماعيّ وثقافيّ. المرأة العارية هي مؤشّر الصواب في هذه المدينة، والمدينة فقدت صوابها إلى هذا الحدّ. إلى حدّ الفرار من ملابسها ودروعها وخيامها وخطوطها ودوائرها ومربّعاتها. الفرار من أعبائها الكثيرة، عبء الشيخوخة والاستلاب والاستنزاف والإهانة والصخب والقهر والاختناق. عبء بيروت بعد كلّ ما أُنزل بها وارتُكب باسمها ويُخطّط لغَدها.
تلك المرأة العارية هي كلّ أثواب خزيِنا وإذلالنا وقهرنا، التي دثّرتنا طبقة فوق طبقة حتّى خنقت أرواحنا.   

مَن غطّى ومَن ضَرب ومَن دافع
كيف تعامل الآخرون مع الحدث الجلل؟ بدا الذهول على من رأوا المرأة العارية في وضح النهار وفي عزّ الحرب وفي عين الإذلال. كثيرون استلّوا هواتفهم وراحوا يصوّرونها. وهكذا عرفنا بأمرها. لو سمعنا قبل سنتين أو عشر سنوات أو خمسين سنة عن امرأة تمشي عارية على كورنيش عين المريسة، لن نصدّق. لكن اليوم، لا حاجة إلى التصوير والأدلة، إن سمعنا بخبر كهذا سنصدّق من دون فيديو ولايف. كلّ ألم سورياليّ سيصير واقعاً، وهذه البداية. 


لم أبحث عن اسمها وهي ستبقى طويلاً بلا إسم. ربّما سألها مَن صادفها عن اسمها وعنوانها سواء لردّها إلى منزلها أو الاتّصال بأقاربها. لكنها لن تجيب. خلعت اسمها أيضاً وتخلّت عنه. كانوا يسبّونها ويقذفونها بالنعوت وهي تردّ عليهم بكلام مبهم وتلوّح بيدها أن يبتعدوا عنها. أحدهم غطّاها، وآخر ضربها، وثالث تشاجر مع من ضربها ونَهاه عن إيذائها. معظمهم غاضب حانق، قلّة منهم آسفة متعاطفة. 
 

رجال أكملوا المشهد: مَن ضرب ومَن غطّى ومَن دافع ومَن شاهد ومَن صوَّر. رجال كثيرون حول امرأة عارية. فزعوا وهرعوا لتدارك "الفضيحة"، كلّ يحمل حلاً، وكلّ يرفع لواءً، وكلّ يرتعد خوفاً. ماذا لو خرجت النساء كلهن عاريات دفعة واحدة؟ هل سنستطيع تطويق الأمر؟ وحصر الأضرار؟ وهل سيكفي ما لدينا من أغطية لسترهنّ؟  


العُريّ عار..والعار يُعرّي
في اللغة العربيّة، الصِّلة مريبة ووثيقة بين العريّ والعار. لا أعرف أيهما يأتي أوّلاً، وهذا ليس مهمّاً. ليس سباقاً، لكنّه اتّساق وتكامل، العريّ عار، والعار يعرّي أهله. حين تحدّث الفيلسوف الفرنسي فردريك غرو عن قدرة العار على كشف التناقضات وحثّ الجماعة على الاعتراف ثمّ التغيير، لم يبتعد "العري" عن مقاصده. 
 

عاش ديوجين الكلبيّ شبه عارٍ، وكاد روسو أن يطالب بالمثل لكنّه اكتفى بتبجيل كلّ ما يعيد الإنسان إلى طبيعته الأولى، ورأى فوكو في العريّ جمالاً وفنّاً أَبرَزَهما فنانون مثل بوتيتشيلي (ولادة فينوس) وبيكاسو (عري أزرق) وماتيس (عري أزرق ورقص)... صلات عديدة سنعثر عليها بين العريّ والفنون وعلوم الأفكار والفلسفة والخطاب. لكن ما يبرز اليوم في حالة "العارية الفارّة في وضح النهار" هو التالي: كلّما تدجّجت البلاد بدروع الإذلال والمهانة والأفكار المتطرّفة والاقصائية والاستقطاب الحادّ، كلّما تخفّف الضحايا ممّا يثقلهم. مَن يخرج أوّلاً هو أكثرنا هشاشةً، ولن يكون بالضرورة موسوماً بسوار المستشفى، لكنّنا سنرى وسم ألمه كوضح النهار.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث