هجوم ترامب على الإعلام: الأزمة في الصين..لا في إيران

المدن - ميدياالثلاثاء 2026/05/19
Image-1779188941.Jpg
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

الهجوم العنيف الذي شنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الإعلام في الولايات المتحدة، لا يمكن أن يكون وليد أسئلة طرحتها صحيفة "نيويورك تايمز" حول أزمة إيران، وليست محاولات لتقويض حرية النشر، أو احتواء حرية التعبير.. فالتصعيد غير المسبوق على وسائل إعلام مقربة من الديموقراطيين، يعكس أزمة الاستحقاقات المقبلة، في ظل واقع غير محسوم لحرب إيران، ومؤشرات غير محسومة لتدخل الصين في الأزمة التي حفزت أصدقاء واشنطن على انتقادها على خلفية تداعيات الحرب. 

 

وشن ترامب، الإثنين، هجوماً كبيراً على "نيويورك تايمز" و"سي أن أن" و"وول ستريت جورنال"، قال فيه: "إذا استسلمت إيران، وأقرت بأن بحريتها استقرت في قاع البحر، وأن سلاح جوها انتهى، وإذا خرج جيشها بالكامل من طهران ملقيا السلاح ورافعا الرايات البيضاء وهتف الجميع "استسلام! استسلام!".. وحتى لو وقعت القيادة الإيرانية المتبقية بالكامل على كافة "وثائق الاستسلام" اللازمة واعترفوا بهزيمتهم أمام قوة الولايات المتحدة الأميركية العظيمة، فإن صحيفة "نيويورك تايمز" الفاشلة، وصحيفة "تشاينا ستريت جورنال" (وول ستريت جورنال!)، وقناة "سي إن إن" الفاسدة التي فقدت مصداقيتها، وجميع وسائل الإعلام الأخرى التي تنشر الأخبار الكاذبة، ستعلن أن إيران حققت نصراً باهراً على الولايات المتحدة، وأن الأمر لم يكن حتى قريباً من الهزيمة". 

تصادم السرديات

والحال أن هناك سرديتين تتصادمان في إعلام الولايات المتحدة. سردية ترامب التي تأخذ طريقها في "تروث سوشيال" و"منصة إكس"، وتنقل وسائل إعلام عنها من غير تشكيك، وهي وسائل الإعلام المقربة من الحزب الجمهوري.. وهنا سردية تشكيكية في ما يقوم به ترامب، عبر وسائل الإعلام المقربة من الديموقراطيين. ظهر التباين في تغطية زيارته الى الصين، وتنضم الى الانتقادات شبه اليومية لأزمة الحرب على إيران. 

صفقات اضطرار

ومع أن الرئيس الأميركي كان هادئاً خلال زيارته إلى الصين، حسب إجماع إعلامي، إلا أن الإعلاميين انقسموا بين جمهوري وديموقراطي في قراءة المواقف التي وصفها معارضو ترامب بـ"اللينة"، في وقت ركز المؤيدون على كاريزما الرئيس وأشادوا بانضباطه سعيًا لتحقيق مصالح أميركية مع الصديق اللدود. 

وانتقدت شبكات إخبارية بينها "سي أن أن" و"إي بي سي"، ما وصفته بـ"ضعف" الموقف الأميركي، وقرأت في تصريحات ترامب خلال اللقاء الذي جمعه مع شي جينبينغ في بكين تنازلات محرجة. في إشارة إلى اللهجة التصالحية المفرطة وتعابير المديح التي استخدمها بوصفه الرئيس الصيني بـ"القائد العظيم"، وهو ما اعتبره الإعلام المعارض تراجعًا عن سياسات الضغط التقليدية لصالح "صفقات اضطرار" مدفوعة بمشاكل واشنطن الداخلية.

وقال آخرون أن الرئيس الأميركي بدا ضعيفًا بسبب الحرب على إيران. فبينما ركز خطاب بكين على التعاون المشترك بين شريكين، وسعي ترامب لاستخدام الصين كوسيط لحلّ أزمات أخرى كحالة التصعيد في إيران.

ورأت تقارير في صحيفة "نيويورك تايمز" أن لغة التهديد المبطنة أو "المنافسة المنضبطة" هي محاولة لصرف الانتباه عن الأزمات الهيكلية التي تعاني منها الصين.

 

التحديث على النمط الصيني

ورغم تنوع التحليلات لخطاب الرئيس الصيني بين ديمقراطي وجمهوري، أجمعت الغالبية على ثلاث اتجاهات رئيسية كان أبرزها، التحذير من النوايا التوسعية التي تعكس طموحًا إمبراطوريًا، والتحديات للهيمنة الأميركية، باعتبار دعوات شي للتعاون تخفي رغبة بفرض شروط بكين، وقضية تايوان التي يرى فيها الرئيس الصيني امتحانًا في مصداقية التعاون وقرارًا مصيريًا سيحدد العلاقة بين أميركا والصين. 

 

قرأ الديمقراطيون في الولايات المتحدة، خطابات الرئيس الصيني، على أنها إعلان طموح لتوسيع النفوذ العالمي للصين وتحدياً مباشراً للقيادة الأميركية، ومحاولة لإثبات التفوق الأيديولوجي ومحاولة لتكريس نموذج الحزب الواحد كبديل "ناجح" للديموقراطيات الغربية. وقال هؤلاء أن شي يروّج لـ "التحديث على النمط الصيني" لتشجيع الدول النامية على تبني نموذج بكين الاقتصادي والسياسي بدلًا من النموذج الأميركي الذي يسوّق نفسه تحت شعار الديموقراطية وحقوق الإنسان.

 

وركز هؤلاء في قراءاتهم على "التوسع العسكري والاقتصادي والنبرة الحازمة بشأن طموحات بكين الدولية مثل مبادرة "الحزام والطريق"، والتي يراها الديموقراطيون أداة لفرض الهيمنة الاقتصادية ومحاصرة النفوذ الأميركي في مناطق حيوية في آسيا وأفريقيا. 

Image-1779188886.Jpg
Getty

ملف تايوان

وصدرت تحذيرات ديموقراطية من تلويح شي باحتمال استخدام القوة في ملف تايوان، حيث كانت تحذيراته صارمة ضد أي دعم أميركي لمحاولات الانفصال، واعتبروا أن بكين تسعى لتقويض الاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتطالب بعالم متعدد الأقطاب في دعوى صريحة إلى نظام عالمي جديد ينهي التفرّد الأميركي بالقرارات الدولية.

 

وعليه، يرى الديموقراطيون أن المطلوب من واشنطن تبني استراتيجية تنافسية صارمة وتشكيل تحالفات دولية قوية للتصدي لهذا التمدد، واعتبار العلاقة مع الصين بمثابة الصراع الاستراتيجي طويل الأمد، وذكروا بخطوات الإدارات الديمقراطية السابقة حيث تبنت إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن سياسات تركز على الاستثمار في القدرات التكنولوجية الأميركية الداخلية وتشكيل تحالفات إقليمية مثل AUKUS لموازنة القوة الصينية.

استعراض المجاملات

والواقع أن الرئيس ترامب، حاول استثمار زيارته إلى الصين لاستعادة شعبيته ورفع أسهم الحزب الجمهوري المتأثرة سلبًا بتراجع نسبة تأييده الشعبي وفق الاحصائيات الأخيرة لاستطلاع الرأي العام الأميركي. فقد اصطحب معه إلى قمة بكين، بعضًا من أقوى المديرين التنفيذيين في الولايات المتحدة، لكن قمة الصين لم تنجح في إيجاد مخرج لإنهاء الحرب في إيران ووقف تدهور الأسواق العالمية والاضطرابات التي أثّرت سلبًا في شعبية ترامب مع تفاقم الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة.

 

وعليه، وقعت زيارة الرئيس ترامب الرسمية إلى الصين ولقاءاته بالرئيس شي جين بينغ وخطاباتهم تحت مجهر النقاد، وبينهم معلقون وكتاب رأي ومذيعون ومراسلون. وبرز بين هؤلاء النقاد، بيل ماهر، مقدم برنامج Real Time  في قناة HBO الذي انتقد بشدة تفاعلات ترامب، واصفًا الزيارة بـ"استعراض للمجاملات"، مما جعل الرئيس الصيني في موقع المتفوق الذي استغل إطراء ترامب المفرط لصالحه.

وانتقد المعلق السياسي مايكل مكفول (سفير الولايات المتحدة السابق لدى الصين) أداء ترامب في الصين باعتباره كان ضعيفًا من الناحية الدبلوماسية. وهو ما برز بوصفه المتكرر للرئيس شي جينبينغ" بأنه "صديقه" و"قائد عظيم"، بينما لم يبادله شي أي إطراء مماثل.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث