أُصبتُ بالذهول والارتباك وتلعثم لساني في الرد حينما سمعتُ صديقي أحمد يروي كيف أنفق أموال زفافه الذي لم يُكتب له أن يتم. سافر إلى الغردقة، حجز غرفة في فندق خمس نجوم، أمضى أياماً عديدة ينفق ببذخ، وعاد من دون أن يبقى معه جنيه واحد.
كيف؟ لماذا؟ وماذا لو؟ تدافعت الأسئلة، ولم أجرؤ على إنهائها، لا سيما حينما استكمل قصته قائلاً أنه بعد أشهر على عودته إلى القاهرة، تعرف على فتاة أعجبته وتقدم لخطبتها، فاضطر للادخار من جديد، وكأنه لم يقضِ السنوات الماضية مدخراً للزفاف الأول.
المريخ والزهرة
يؤكد العنوان الذي اختاره جون غراي لكتابه "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة" صحة مقولته، فالجندران ينتميات إلى عالمَين مختلفين، وتفكيرنا ليس متشابهاً. لا يتعلق الأمر بالنوع وحده، فأنا لا أعمم هنا على الإطلاق، لكني سمعت قصصاً شبيهة بقصة أحمد مراراً، من أصدقاء رجال لا يُبدون أي قلق تجاه نفاذ مدخراتهم أو إنفاق كل ما في جيوبهم.
في بحث بعنوان "?Is financial anxiety gendered" (هل القلق المالي مرتبط بالنوع الاجتماعي)، أُشير إلى تفاوت مستويات القلق المالي بين الرجال والنساء وقت أزمة انتشار فيروس كورونا. وبالاعتماد على بيانات أكثر من 96 ألف شخص في 114 دولة، وُجد أن النساء يعانين من قلق مالي أكبر من الرجال، لا سيما في البلدان الأقل نمواً والتي تفتقر إلى شبكات أمان اجتماعي قوية وتتسم بهشاشة مالية. ويتركز قلق النساء بشكل خاص حول الشيخوخة والنفقات الطبية والتعليم ونفقات المعيشة اليومية. لم أختلف مع النتائج، توقعتها تمامًا.
كنا نجلس في مقهى مزدحم، ونفث محمد، وهو صديق آخر في القاهرة، دخان سيجارته، وقال إنه لا يشعر بالقلق حيال المال، ولا يهدأ إلا بعد إنفاقه بالكامل. انفجرتُ متسائلة: كيف لا تقلق بشأن الغد؟ وكيف لا تخشى فقدان وظيفتك أو الاستغناء عنك؟ ألا تخاف الإفلاس أو المرض والعجز عن توفير تكاليف العلاج؟ هذا السؤال الأخير أشعل جدلًا حادًا حول طاولتنا، انتهى بالقول بأن الرجال لا يفكرون في المستقبل بقدر النساء.
للحظة، تمنيت أن أكون مثله. بلا قلق. بلا حسابات.
في المقابل، تقلق النساء المستقلات، يشعرن بالخوف من المستقبل؛. فهن أصلاً يواجهن صعوبة في إيجاد عمل، وقد تضطرهن الظروف لترك وظائفهن الحالية بسبب مضايقات من مدير أو زميل، أو لأن الراتب لم يعد كافيًا لتلبية الاحتياجات. بينما زميلهن الرجل، الذي قد يجالس المدير ليلعبا الدومينو ويدخّنا في المقهى، يتقاضى راتبًا يفوق راتبها بأضعاف وتتم ترقيته فيما تظل في الدرجة الوظيفية نفسها لسنوات.
6% فقط من المصريات يملكن عقارات!
تقلق النساء أكثر لأن فرص استقرارهن الوظيفي أقل. الأرقام تؤكد مخاوفي، فالاحصائيات المحلية تقول إن معدلات البطالة والفقر بين النساء أعلى من الرجال، ليس فقط في مصر بل عالميًا. ويشير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن ملكية النساء للأراضي والعقارات في مصر لا تتجاوز نسبتها 6%، بينما يمتلك الرجال النسبة الأكبر بواقع 94%.
قبل أسابيع، التقيتُ صديقة تشكو صعوبات جمّة في زواجها. وعندما طرحنا موضوع الطلاق، أجابت بأن ذلك مستحيل، لعدم امتلاكها عملاً أو مدخرات أو أي مُعيل آخر تعتمد عليه. حتى النساء المتزوجات يساورهن قلق مالي من تخلي أزواجهن عنهن، أو من ترك أزواجهن الذين يعنفهن أو يقهرهن. وإذا حصل الطلاق، فإما أنهن سيخضعن للبهدلة المالية ريثما يجدن عملاً مجزياً، أو سيضطررن للاعتماد مالياً على رجل آخر، ما يعني أنهن سيبقين "سجينات". هذا القلق قد يجبرهن على البقاء في علاقات مؤذية وسامة، يتعرضن فيها لأشكال مختلفة من العنف، لمجرد عدم امتلاكهن مصدراً آمناً للدخل.
أعود إلى صديقي العريس أحمد، الذي أجابني بأنه غير قلق بشأن فرص العمل لأنه يجدها بسهولة بفضل علاقاته الواسعة. وللتأمل فقط، لا حسدًا، نجد أن خبرة أحمد لم تتجاوز السنوات الثلاث في ذلك الوقت، وكان يتقاضى راتبًا شهريًا قدره 400 دولار. وفي المقابل، صديقتي سارة، التي تجاوزت خبرتها 18 عامًا، ما زالت تدور في دوامة البطالة منذ سنوات، وإذا وجدت فرصة عمل أخيرًا، يكون راتبها أقل من 100 دولار شهريًا، فقط كونها أمّاً!
مساواة مسمومة
يحتدم النقاش دائمًا بيني وبين صديقي عبدالله، الذي يحسد زوجته على بقائها في المنزل من دون عمل، بينما هو يعمل وينفق على المنزل، وهي تستطيع اقتطاع جزء من مصروف البيت لنفسها. في كل مرة نعود إلى النقطة ذاتها، يتحدث هو عن ضرورة المساواة بين الرجل والمرأة في الإنفاق على المنزل، متجاهلاً السياق الاجتماعي والعقائدي والثقافي الذي جعل المصريات فقيرات وكارهات للعمل، بينما يتمتع الرجال بحرية أكبر في العمل والجرأة المالية وتكوين الثروات مقارنة بالنساء.
يؤيد عبدالله المساواة ويسعى إليها، فقط لأن عبء الإنفاق يرهقه، وهي معضلة يواجهها الكثير من المصريين. لذلك، تطمح النساء بدورهن إلى المساواة منذ الطفولة، بل قبلها. أن يكون للذَّكَر مثل ما للأنثى، فكلاهما له الحق في الخروج والعمل في أي وقت وفي أي وظيفة. كلاهما له الحرية في تصرفاته وأن يكون مسؤولاً عنها، وكلاهما يحصل على التعليم ذاته والراتب ذاته، وكلاهما يرث مثل الآخر، ولا أحد ينفق على أحد.
أكرر الكلام لعبدالله الذي يحاول دائمًا إعادتي إلى النقطة صفر: "طيب لو أن الإثنَين يتقاضيان القدر نفسه، لماذا لا ينفقان بالتساوي على المنزل؟". أصاب باليأس، فالأمر يتطلب المساواة منذ البداية، لا أن نطالب بها في النهاية وننتظر نتائج عظيمة. ربما أكون قاسية في حكمي. وربما أحمّل الرجال أكثر مما يحتملون، في ظل الغلاء وتراجع القدرة الشرائية لتي يعانيها الجميع. لكني ما زلت أتساءل: هل نقلق، نحن النساء، لأننا ضعيفات اقتصادياً؟ أم لأننا تعلمنا أن نخاف؟




