امتحانات السويداء: قرار التربية يشعل سجال الطلاب والدولة

مصطفى الدباسالأحد 2026/05/17
مدرسة تلاميذ سوريا (Getty)
نزاع حول من يدير التعليم في السويداء (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أعادت وزارة التربية والتعليم السورية ملف طلاب الشهادتين في السويداء إلى واجهة السجال، بعد قرارها إجراء امتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة بفروعها كافة في دمشق وريفها، بدلاً من مراكزهم داخل المحافظة، مبررة الخطوة بضمان حق الطلاب في التقدم للامتحانات وتأمين بيئة مناسبة وآمنة وعادلة، في ظل الأوضاع السائدة في السويداء.

ويأتي القرار الصادر في 14 أيار/مايو الجاري، قبل أقل من شهر على بدء امتحانات شهادة التعليم الأساسي والإعدادية الشرعية في 4 حزيران/يونيو المقبل، فيما تبدأ امتحانات الثانوية العامة بفروعها في 6 حزيران/يونيو 2026، على أن تعلن الوزارة لاحقاً توزيع الطلاب على المراكز الامتحانية في دمشق وريفها.

 

خلاف على الإشراف

ويأتي القرار كامتداد مباشر لخلافات متراكمة بين وزارة التربية في دمشق ومديرية التربية في المحافظة حول شكل الإشراف على العملية الامتحانية، بعد تجربة العام الماضي التي أجريت فيها الامتحانات محلياً خارج الإشراف الوزاري الكامل، مما فتح أزمة اعتراف رسمي بنتائج الطلاب وشهاداتهم.

وتتمسك الوزارة هذه المرة بدخول لجنة وزارية إلى السويداء للإشراف المباشر على الامتحانات، مع طرح مرافقة من جهات محايدة أو منظمات إنسانية، في حين طالبت أطراف محلية بإجرائها داخل المحافظة، وسط تضارب في الروايات حول ما إذا كانت مديرية التربية وافقت فعلاً على شروط الوزارة، أو أن الخلاف بقي قائماً حول صلاحيات اللجنة وآليات عملها.

وزاد التوتر بعد أزمة مديرية التربية في السويداء، إثر تعيين صفوان بلان مديراً للتربية، ثم اقتحام مبنى المديرية من قبل مجموعة مسلحة اعتراضاً على تعيينه، قبل أن يعتذر عن المنصب، ما جعل ملف الامتحانات جزءاً من نزاع أوسع حول من يدير التعليم في المحافظة، وكيف يمكن ضمان اعتراف الوزارة بالشهادات من دون تحويل الطلاب إلى ضحية لهذا النزاع.

 

غضب طلابي وأهلي

وانتقل الخبر سريعاً  في مواقع التواصل من صيغة القرار الوزاري إلى موجة اعتراض واسعة، وظهرت دعوات طلابية وشعبية للتجمع في "ساحة الكرامة"، رفضاً لنقل الامتحانات إلى خارج المحافظة، واعتباراً أن القرار يضع آلاف الطلاب أمام أعباء لا علاقة لها بالامتحان نفسه، من الطريق إلى الإقامة والتكاليف والضغط النفسي.

وركزت التعليقات المنشورة من السويداء على أن طالب الشهادة لا يستطيع خوض امتحان مصيري وهو منشغل بتأمين السفر والمبيت، أو قلق على سلامته في الطريق، خصوصاً أن عدد الطلاب المسجلين يتجاوز عددهم الـ13 ألف طالب وطالبة، وفق تقديرات مديرية الامتحانات، ما يجعل المسألة عبئاً جماعياً على عائلات المحافظة.

وفي مقابل الخطاب الذي حمّل الحكومة السورية مسؤولية استخدام التعليم كورقة ضغط على السويداء، ظهر رأي آخر يحمّل القوى المحلية جزءاً من المسؤولية، خصوصاً إذا كانت قد عرقلت دخول اللجان الوزارية أو تدخلت في عمل مديرية التربية، لأن امتحانات بلا إشراف رسمي قد تعيد إنتاج أزمة العام الماضي، وتترك الطلاب أمام شهادات غير معترف بها أو معلقة إدارياً.

 

طلاب بين طرفين

وتكشف ردود الفعل أن الغضب لا يتجه في مسار واحد، فهناك من يرى أن الوزارة نقلت المشكلة إلى الطلاب بدلاً من حلها مع الجهات المحلية، وهناك من يعتبر أن رفض الإشراف الوزاري الكامل يضع مستقبل الطلاب في خطر، وبين القراءتين تتسع قناعة لدى الأهالي بأن أبناءهم صاروا الحلقة الأضعف في خلاف سياسي وإداري لا يملكون أدوات التأثير فيه.

وتبدو خطورة القرار في أنه لا يوزع الأعباء بالتساوي، فالطالب القادر على السفر والإقامة في دمشق أو ريفها ليس كطالب يعيش في عائلة محدودة الدخل، أو لا تستطيع تأمين مرافق له، أو تخشى الطريق والظروف الأمنية. وهنا يصبح الحديث عن العدالة الامتحانية ناقصاً، لأن الامتحان نفسه يبدأ قبل الوصول إلى القاعة، في القدرة على تحمل كلفة القرار.

 

مخرج ممكن

ويمكن احتواء الأزمة عبر اتفاق مكتوب وعلني يضمن إجراء الامتحانات داخل السويداء بإشراف مباشر من وزارة التربية، وبصلاحيات كاملة للجنة وزارية تدخل المحافظة، مقابل تعهد واضح من الفعاليات المحلية بعدم التدخل في القاعات أو الأسئلة أو الأوراق الامتحانية، وبما يضمن الاعتراف الرسمي بالشهادات ويحمي الطلاب من تكرار مأزق العام الماضي.

أما إذا تمسكت الوزارة بخيار دمشق وريفها، فستكون مطالبة بخطة تنفيذية لا تترك الأهالي أمام المجهول، تشمل النقل الآمن، والإقامة المجانية، وإعلان المراكز قبل وقت كاف، ومعالجة أوضاع الطلاب الفقراء والمرضى والحالات الخاصة، حسبما يقول بعض أهالي السويداء. من دون ذلك، سيبقى القرار مفتوحاً على قراءة واحدة لدى شريحة واسعة من السويداء: نقل عبء الخلاف إلى الطلاب، وتحويل حقهم في الشهادة إلى كلفة إضافية يدفعونها في لحظة يفترض أن تكون محمية من الحسابات السياسية.

وكانت محافظة السويداء خرجت السنة الماضية من العلاقة الإدارية الطبيعية مع الحكومة السورية، في ظل حضور فصائل مسلحة ومرجعيات محلية ترفض، بدرجات مختلفة، التعامل مع مؤسسات دمشق أو الاعتراف بسلطتها داخل المحافظة. وتصاعد هذا الخلاف بعد أحداث أمنية وسياسية متلاحقة، دفعت القوات الحكومية إلى الانسحاب من المدينة ومناطق واسعة في المحافظة، وفتحت نقاشاً حول شكل العلاقة بين السويداء والحكومة المركزية، مع بروز خطاب يدعو إلى إدارة منفصلة أو إلى حق تقرير المصير، وصل في بعض التصريحات المنسوبة إلى الشيخ حكمت الهجري إلى طلب دعم دولي لانفصال السويداء عن سوريا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث