يثير استخدام الإعلام الحربي التابع لـ"حزب الله" الذكاء الاصطناعي في مقاطع الفيديو التي يبثها أخيراً، أسئلة حول هندسة الصورة ضمن الإعلام العسكري والدعاية، خصوصاً أن المقاطع والصور الحية موجودة ما يجعل اللجوء للذكاء الاصطناعي التوليدي غير ضروري وغير فعال.
وتحت عنوان "الوحل في لبنان يغرق"، نشر الإعلام الحربي مقطع فيديو مصمم بالذكاء الاصطناعي يظهر جنود الجيش الإسرائيلي وهم يقتلون خلال المواجهات في جنوب لبنان. في البداية، أظهر الفيديو محلقة انفضاضية مفخخة وهي تلاحق جندياً يركض هرباً منها.
وفي مشاهد أخرى، يظهر إطلاق الحزب لصاروخ موجه مستهدفاً دبابة إسرائيلية. بالإضافة إلى لقطات تظهر قنص جنود إسرائيليين وتفجير عبوات ناسفة بالقوات، وصولاً إلى مشاهد يطلب فيها الجنود النجدة. ويختتم الفيديو بمشاهد تظهر غرق الجنود والدبابات التابعة للجيش الإسرائيلي في الوحل، مع عبارة "الوحل.. يُغرق" بالعربية والعبرية.
والسؤال هنا هو "لماذا يحتاج الحزب إلى الذكاء الاصطناعي؟" خصوصاً أن المحتوى المنتج أو المعدل بالذكاء الاصطناعي يبقى عرضة للاتهام بالتضخيم أو التضليل، وهو الذي يمتلك أرشيفاً حياً توفره طائراته المسيرة التي تخترق التجمعات الاسرائيلية وتصور العمليات بدقة كاملة؟
والإجابة تكمن ربما في الانتقال من عصر توثيق الحدث كما هو، إلى عصر أكثر تعقيداً يتم فيه تصميم إدراك الحدث نفسه لدى المتلقي. فالصورة الخام، رغم ما تحمله من صدقية وارتباط مباشر بالواقع، ربما تبدو في كثير من الأحيان، لناشريها، محدودة التأثير أو جافة بصرياً إذا لم تقدم ضمن سياق بصري وسردي مؤثر.
وهنا يظهر دور تقنيات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل طريقة عرض المشهد، ليس فقط عبر تحسين الجودة أو التوضيح البصري، بل عبر بناء سردية كاملة تحيط بالصورة وتوجه طريقة فهمها. وبهذا يتحول المشهد العسكري من مجرد لقطة توثيقية إلى "تجربة إدراكية-نفسية" متكاملة، يتم فيها توظيف الإضاءة، الحركة، الصوت، والزوايا البصرية لتوليد استجابة عاطفية ومعرفية محددة ومدروسة لدى المتلقي، بما يتجاوز حدود النقل الحي للحدث إلى إعادة صياغة طريقة تلقيه وفهمه.
وهنا، يقول الخبير في الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي أمين أبو يحيى أن "المعركة لم تعد فقط ماذا نعرض؟ بل كيف نجعل المشاهد يشعر؟". ورأى أبو يحيى أن الصورة الحربية أصبحت تبنى بمنطق "التريلر السينمائي" أكثر من التوثيق التقليدي، عبر استخدام تصحيح الألوان، تبطيء الحركة، والتصميم الصوتي لخلق رهبة أو شعور بالقوة.
وانطلاقاً من هذا لا يصبح الغرض من استخدام الذكاء الاصطناعي في الدعاية مجرد تحسين جودة العمل او المادة، بل هو استثمار في سيكولوجيا الجماهير لأن الدماغ البشري، كما يشير أبو يحيى، "يتفاعل مع الصورة العاطفية قبل أن يبدأ بالتحليل العقلاني". وأضاف أبو يحيى أن "البروباغندا التقليدية كانت تعتمد على الخطاب السياسي والشعارات والصور الرمزية. أما اليوم، فإن الذكاء الاصطناعي تمكن من نقل المعركة إلى مستوى أكثر تعقيداً، صناعة واقع بصري وعاطفي كامل يمكن تخصيصه واستهدافه بسرعة هائلة".
ويعتبر أبو يحيى الفرق الأساسي أن "أدوات الذكاء الاصطناعي تسمح بإنتاج محتوى نفسي عالي التأثير بكلفة منخفضة وسرعة كبيرة جداً. لم يعد المطلوب فقط إقناع الجمهور، بل إغراقه عاطفياً وإرباكه معلوماتياً". وأوضح أن "أطرافاً عديدة في المنطقة، ومنها حزب الله، أصبحت تمتلك خبرة متقدمة في استخدام الصورة المركبة، المؤثرات البصرية، الموسيقى، الإيقاع السينمائي، والطائرات المسيرة المصورة، لبناء رسائل تتجاوز الخبر العسكري إلى التأثير النفسي والإعلامي".
ولا يمكن فصل هذا التطور التقني في الإعلام الحربي عن الجذور التاريخية للحرب النفسية. فمنذ قرون، اعتبر الجنرال الصيني سون تزو أن "الفن الأسمى للحرب هو إخضاع العدو دون قتال". واليوم، يعيد الذكاء الاصطناعي إحياء هذه العقيدة تحت مسمى سيادة المعلومات (Information Dominance). فالمسألة لم تعد تقتصر على امتلاك الطائرات المسيرة لتصوير الميدان، بل في القدرة على تحويل تلك المشاهد إلى سلاح إدراكي قادر على اختراق الجبهة النفسية للخصم.
يفتح هذا التوجه باباً واسعاً للتشكيك. تقنياً، أكد أبو يحيى أن دخول أدوات المعالجة الرقمية المكثفة يجعل التحقق من الأصالة أصعب. وإذا كان التلاعب سابقاً يقتصر على المونتاج والقص، فإن الذكاء الاصطناعي اليوم يمتلك القدرة على توليد مشاهد كاملة يصعب تمييزها عن الواقع. وهذا لا يعني بالضرورة أن كل مادة معدلة مزيفة، لكن يعني أن الصورة لم تعد الدليل الخام كما كانت سابقاً، بل أصبحت جزءاً من منتج بصري قابل للهندسة والتوجيه النفسي.
يضع ذلك الإعلام العسكري أمام تحدٍّ، فالمحتوى المعدل يبقى عرضة للاتهام بالتضخيم أو التضليل. وبمجرد أن يشكك الجمهور في الصدقية، ربما تسقط مصداقية المادة الميدانية الأصلية مهما كانت حقيقية. ومن الواضح أن الصورة الخام لم تعد كافية لصانعي الدعاية السياسية والحربية، وبحسب أبو يحيى، فإن "معارك المستقبل لن تحسم فقط بالسلاح، بل أيضاً بمن ينجح في السيطرة على الصورة، السردية، والانتباه داخل الفضاء الرقمي".




