في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار قبل التحققّ منها، وتتضخّم فيه المشاعر الجماعية عبر الشاشات ومنصّات التواصل، لم يعد الإعلام مجرّد وسيلة لنقل الوقائع، بل أصبح لاعبًا مباشرًا في تشكيل الوعي، وصناعة الرأي العام، وتوجيه المزاج الاجتماعي والسياسي.
وتبرز الحاجة الملحّة إلى ترسيخ مفهوم "مدارس السِّّلم الأهلي والمواطنة"، في خضمّ الأزمات والانقسامات، بوصفه مشروعًا تربويًا وثقافيًا وأخلاقيًا يحمي المجتمعات من الانزلاق نحو الكراهية والانتقام.
إنّ أخطر ما تواجهه المجتمعات اليوم ليس فقط الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل ثقافة الانتقام التي تتغذىّ من الخطاب التحريضي، ومن التجييش الإعلامي، ومن استثمار الجراح الجماعية لإعادة إنتاج العداوات والانقسامات. وحين يتحوّل الإعلام إلى مساحة للتحريض بدل التوعية، وإلى أداة لتأليب الناس بدل تقريبهم، يصبح السِّّلم الأهلي مهددّاً في عمقه، لا في شكله فقط.
المسؤولية الإعلامية
من هنا، لا يمكن الحديث عن المواطنة بمعزل عن المسؤولية الإعلامية. فالمواطنة الحقيقية لا تبُنى على العصبيات الضيقة، ولا على ردود الفعل الغاضبة، بل على احترام الإنسان، والاحتكام إلى القانون، والإيمان بأنّ الاختلاف لا يعني العداء، وأنّ العدالة لا تخُتزل بالانتقام.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أنّ المجتمعات التي نجحت في تجاوز الحروب والانقسامات لم تفعل ذلك عبر الثأر المتبادل، بل عبر بناء ثقافة الحوار، وتعزيز التربية على قبول الآخر، وإطلاق مبادرات تعُيد الثقة بين مكوّنات المجتمع.
وهنا يبرز دور المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية في صناعة "مدارس السِّّلم الأهلي"، ليس كمبانٍ تعليمية فحسب، بل كمنهج تفكير وسلوك وقيم.
تداخل الأزمات اللبنانية
وفي لبنان، حيث تتداخل الأزمات السياسية والاجتماعية والطائفية والإعلامية، تصبح الحاجة أكبر إلى خطاب وطني جامع يرفض التحريض والفتنة، ويعُلي قيمة الإنسان فوق الحسابات الضيقة. فكل كلمة تحريض قد تتحوّل إلى شرارة، وكل خبر مضلّل قد يفتح بابًا للفوضى، وكل إساءة إعلامية قد تعُيد إحياء ذاكرة الألم والانقسام.
"الفتنة أشدّ من القتل"... ليست مجرد عبارة، بل تحذيرٌ وجوديّ في لحظةٍ يتصدعّ فيها المعنى قبل الجدران. وفي زمنٍ تتقدمّ فيه الشائعات على الحقائق، يأتي النداء القرآني واضحًا وحاسمًا:
﴿يَا أيَهَُّا الَّذِّينَ آمَنوُا إِّن جَاءَكُمْ فَاسِّقٌ بنِّبََإٍ فَتبَيََّنوُا أنَ تصُِّيبوُا قوَْمًا بِّجَهَالَةٍ فتَصُْبِّحُوا عَ لَىٰ مَا فعََلْتمُْ نَادِّمِّينَ﴾ [الحجرات: 6].
إنهّا دعوةٌ إلى التثبتّ قبل الاتهام، وإلى الوعي قبل الانجرار، وإلى حماية المجتمع من نار الفتنة التي تبدأ غالبًا بخبرٍ مضلّل، أو خطابٍ متشنّج، أو تحريضٍ يزرع الخوف والكراهية بين أبناء الوطن الواحد.
وفي الإنجيل أيضًا تتجلّى رسالة السلام والمحبة، إذ جاء:
«طُوبَى لِّصَانعِِّّي السَّلاَمِّ، لِّأنَهَُّمْ أبَْنَاءُ اللهِّ يدُْعَوْنَ» (إنجيل متىّ 5: 9).
فالأديان السماوية، في جوهرها، لم تكن يومًا دعوةً للانقسام أو الانتقام، بل رسالةً لصون الإنسان، وحماية الكرامة الإنسانية، وترسيخ قيم الرحمة والعدل والتعايش.
إنّ الاعتداء على دور العبادة، أيًّا كان انتماؤها، من كنيسةٍ أو مسجدٍ أو مزار، هو اعتداءٌ على لبنان كلّه، وعلى قيمه التي قامت على التنوّع والاحترام المتبادل. فمن يدمّر بيتاً من بيوت الله، إنما يراهن على تمزيقنا، وعلى تحويل اختلافنا إلى صراع.
وما شهدناه من انتهاكاتٍ طاولت أماكن دينية وتاريخية في أكثر من منطقة، هو جرس إنذارٍ خطير، لا يجوز التعامل معه بردود فعلٍ متقابلة، بل بموقفٍ وطنيّ موحّد يرفض الإدانة الانتقائية، ويضع حرمة المقدسات فوق كل اعتبار.
خطاب هادئ بلا تحريض
الحال إنّ المسؤولية اليوم لا تقع على جهةٍ دون أخرى، بل هي مسؤولية الجميع. مسؤولية خطابٍ يهدئّ ولا يحرّض، ومسؤولية وعيٍ يرفض الانجرار خلف الفتنة، ومسؤولية دولةٍ مطالبةٍ بالتحرّك الفوري والحازم لمحاسبة كل من يعتدي على المقدسات، أيًّا يكن.
في الواقع، لا يستقيم الإيمان بالله مع الكراهية للإنسان، ولا يبُنى وطنٌ على أنقاض كرامة أبنائه. لبنان لا يحُمى إلا بوحدته، والفتنة إذا اشتعلت... لا تبُقي أحداً خارج نيرانها.
لا يعني الإعلام المسؤول، إخفاء الحقيقة، بل تقديمها بوعيٍ يحفظ كرامة الناس واستقرار المجتمع. كما أنّ حرية التعبير لا تعني حرية بثّ الكراهية أو تبرير الإلغاء المعنوي والاجتماعي للآخرين. فالكلمة، في زمن الأزمات، قد تكون وسيلة بناء… أو أداة هدم.
التربية على المواطنة
وعليه، يبدأ بناء السِّّلم الأهلي من التربية على المواطنة، ومن تعليم الأجيال أنّ قوّة الأوطان لا تقُاس بحجم الانقسام، بل بقدرتها على حماية التنوّع وتحويل الاختلاف إلى مساحة غنى لا صراع. كما يبدأ من إعلامٍ ينُير العقول بدل أن يشعل الغرائز، ويعُيد الاعتبار للحقيقة بدل الاستثمار في الانفعال.
وفي النهاية، فإنّ المجتمعات التي تختار الحوار بدل الانتقام، والعقل بدل التحريض، والمواطنة بدل الانقسام، هي وحدها القادرة على حماية مستقبلها. أمّا الأوطان التي تتُرك أسيرة خطاب الكراهية، فإنها تخسر تدريجيًا أمنها الاجتماعي وإنسانيتها المشتركة.
السِّّلم الأهلي ليس شعارًا عابرًا، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الكلمة، وتمتدّ إلى المدرسة والإعلام والبيت والدولة، لأنّ الأوطان لا تبُنى بثقافة الانتقام… بل بثقافة الإنسان.
