منذ بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان، يواجه الصحافيون العاملون على الأرض اعتراضات متزايدة على تصوير مقابلات مع النازحين، سواء في الطرق أو داخل مراكز الإيواء، إضافة إلى التقاط الصور في لحظات النزوح والصدمة.
ويمتدّ هذا الجدل إلى وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما مع طريقة تعاطي بعض وسائل الإعلام مع مَشاهد الضحايا والناجين.
ففي مجزرة 8 نيسان/أبريل، تمركزت عدسات الكاميرات فوق الناجين والناجيات أثناء إخراجهم من تحت الأنقاض على أيدي فرق الإغاثة، فيما ذهبت وسائل إعلام أخرى إلى البحث بين الركام عن الصور والمقتنيات الشخصية وعرضها مباشرة على الهواء. ووصل الأمر إلى إجراء مقابلات مع الصحافية الناجية زينب فرج، داخل المستشفى، فيما لم تكن قد تجاوزت بعد صدمة الاستهداف وإصابتها.
في المقابل، بات المشاهدون ورواد مواقع التواصل الاجتماعي يؤدّون دوراً رقابياً وتقييمياً لما تنشره وسائل الإعلام، سواء عبر شاشاتها أو من خلال منصاتها الرقمية، وسط نقاش متزايد حول أخلاقيات التغطية الصحافية في أوقات الحرب والنزوح.
دليل إرشادي
من هنا، أطلق اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان الدليل الإرشادي لإجراء مقابلات مع النازحين/ات خلال النزاعات والحروب، بالتعاون مع لجنة الأخلاقيات المهنية في نقابة الاختصاصيين في العمل الاجتماعي في لبنان. وقد بدأ العمل على هذا الدليل كبحث، خلال عدوان أيلول/سبتمبر 2024، بالتعاون مع الاختصاصية الاجتماعية إيميه غانم، قبل أن يعيد الاتحاد والنقابة إصداره بصيغته الحالية.
ويُوزّع الدليل على الصحافيين والصحافيات، كما يوضع في مراكز الإيواء، بهدف تمكين الصحافيين والمصورين الصحافيين ومدراء المراكز من الاطلاع بوضوح على أسس العمل الصحافي المهني خلال الحروب. وجاء إطلاق الدليل خلال مؤتمر صحافي عُقد في وزارة الشؤون الاجتماعية.
عيون الحكومة
وزيرة الشؤون الإجتماعية حنين السيد، قالت إن اعتمادهم على الصحافي، ليس فقط كناقلي معلومات، بل كعيون الحكومة على الأرض، قائلةً: "هي السلطة الرابعة التي تساعدنا أن نفهم الناس أكثر، وأن نرى الواقعَ كما هو، بكل تفاصيله وتحدياته".
وتابعت السيد: "هناك أيضاً مسؤولية كبيرة ترافق هذا الدور. لأنّ التغطية داخل مراكز الإيواء أو مع العائلات المتضررة ليست تفصيلاً. الصحافي لا يحمل فقط كاميرا أو ميكروفوناً، بل يحمل مسؤولية تجاهَ الحقيقةِ، وتجاه الرأي العام، والأهم تجاه الأشخاص الذين يعيشون الألم والخسارة والقلق، ومن هنا تأتي أهمية احترام الخصوصية والكرامة الإنسانية، خصوصاً مع الأطفال والعائلاتِ والأشخاصِ الذين مرّوا بتجارب قاسية وصدمات كبيرة. أحياناً، السؤالُ أو الصورة أو طريقة المقابلة قد تؤذي أكثر مما تساعد، حتى ولو من دون قصد".
واجب صحافي.. وصون كرامات
من جهتها قالت رئيسة إتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، إلسي مفرج، إنّ الدليل جاء كاستجابة لحاجة حقيقية ظهرت بوضوح خلال الحرب والنزوح، تتمثّل في كيفية تحقيق التوازن بين واجب الصحافي في نقل الحقيقة، وإيصال أصوات الناس ومعاناتهم، وبين ضرورة احترام كرامتهم وخصوصيتهم، لا سيما في لحظات الصدمة والخسارة والخوف.
وتتابع مفرج: "يدعو الدليل الصحافيين إلى التوقف قبل أي مقابلة أو تصوير، والتفكير في مجموعة من الأسئلة الأساسية: هل يمكن أن يتسبب هذا السؤال بالأذى للشخص؟ هل يحترم التصوير خصوصيته وكرامته؟ وهل يمتلك الشخص فعلاً القدرة على إعطاء موافقة حرّة وواعية وهو تحت تأثير الصدمة أو الضغط؟ والأهم، هل تُنقل قصته بطريقة تحفظ إنسانيته وكرامته؟".
مواجهة الاستغلال
من جهتها، تشدد نقيبة الاختصاصيين في العمل الإجتماعي في لبنان، ناديا بدران، في حديثها لـ"المدن"، "على أهمية معرفة الصحافيين المبادئ الأساسية التي تحترم كرامة الإنسان والحفاظ عليها، وبالتالي التنبه للمواقف التي يعرّض لها النازحين، من قبيل أشكال الإستغلال، وإظهار النازحين بصورة مهينة".
وتضيف بدران: "عادة ما يعتبر الصحافيون أن النازحين مادة إعلامية، يظهرونها بطريقة تخرق خصوصية هؤلاء الناس، لكن ينسى الصحافيون أنه يجب عليهم حماية هؤلاء بعد إجراء المقابلة الصحافية، وعدم استعمالها كسبق من أجل استقطاب المُشاهدات".
وتقول بدران "أنها المرة الأولى التي يتم فيها العمل بشكل مشترك، بين الجسم الصحافي أي إتحاد الصحافيين والصحافيات، والعاملين في المجال الإجتماعي، وهي مبادرة تقرب جداً وجهات النظر، لأن تجربة العاملين الاجتماعيين على الأرض تختلف عن الصحافيين... فنحن كعاملين إجتماعيين على الأرض ومتعاونين مع وزارة الشؤون الإجتماعية، ننتبه للثغرات، ولا يقتصر إنتهاك خصوصية النازحين على الجسم الصحافي، بل أيضاً من المانحين الذين يطلبون تصوير النازحين وهم يتسلمون مساعدات".
بنود الدليل
ومن أبرز نقاط الدليل، الذي نشر، "أنه يشكل تذكيراً مهنياً وأخلاقياً للصحافيين والصحافيات، بهدف تعزيز تغطية إنسانية أكثر مسؤولية واحتراماً للأشخاص الذين تتم مقابلتهم أو الحديث عنهم. ويرتكز الدليل على مبادئ حرية الصحافة والمسؤولية المهنية، مع التشديد على احترام الكرامة الإنسانية، وحماية الخصوصية، وضمان الموافقة الواعية والمستنيرة، وعدم التسبب بالأذى، وتجنّب الاستغلال أو الوصم".
وينطلق الدليل من مرحلة التحضير للمقابلة أو النقل المباشر، انطلاقاً من أن التعامل مع أشخاص خسروا منازلهم أو تعرّضوا للنزوح والصدمة يختلف عن أي تغطية صحافية اعتيادية. لذلك، يدعو الصحافي إلى تقييم الوضع النفسي والاجتماعي للأشخاص قبل إجراء المقابلات، واختيار الوقت والمكان المناسبين، والتأكد من أن وجود الكاميرا أو البث المباشر لن يفاقم الضغط أو الأذى النفسي الواقع عليهم.
كما يشدّد الدليل على أهمية الحصول على موافقة مسبقة وواعية أو مستنيرة، بما يعني أن يكون الشخص على دراية كاملة بسبب إجراء المقابلة وكيفية استخدام المادة المصوّرة أو المنشورة، وأن يمتلك الحرية الكاملة في رفض التصوير أو إيقاف المقابلة في أي لحظة، من دون أي ضغط أو إحراج.
وخلال إجراء المقابلات، يدعو الدليل إلى اعتماد مقاربة إنسانية في التعامل مع الناس، وتأمين بيئة آمنة ومريحة قدر الإمكان، واحترام حدود المتحدثين وعدم الضغط عليهم للكشف عن تفاصيل مؤلمة أو شخصية. كذلك، يشدّد على حماية الخصوصية والهوية عند الحاجة، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، واستخدام لغة إعلامية تحترم كرامة الأشخاص ولا تكرّس الوصم أو الأحكام المسبقة. وحتى في عملية التصوير، يؤكد الدليل ضرورة التعامل بحساسية مع مشاهد الألم والخسارة، وعلى أهمية أن تؤدي التغطية الإعلامية دوراً في تعزيز التضامن المجتمعي بدلاً من إعادة إنتاج الصدمة.
ويخصّص الدليل حيّزاً أساسياً للتعامل مع الأطفال، بوصفهم الفئة الأكثر هشاشة خلال الحروب والنزوح، إذ يشدّد على ضرورة تجنّب إجراء مقابلات معهم إلا عند الضرورة القصوى، وعدم تصويرهم أو كشف هوياتهم بطريقة قد تعرّضهم للأذى أو الوصم، مع التأكيد على أن مصلحة الطفل وحمايته النفسية دائماً فوق أي اعتبار إعلامي.




