أظهر التدقيق في مقطع فيديو يتداوله ناشطون معارضون لـ"حزب الله"، يزعم مروجوه أن الحزب يهدد رئيس الجمهورية جوزاف عون بالاغتيال، أن المحتوى صُنِع بأيدٍ لبنانية، وروّجه لبنانيون، وتفاعل معه لبنانيون، بما يخدم سردية تصب أولاً في مصلحة إسرائيل، ويساهم في تعميق الانقسام الداخلي وتهيئة بيئة مشحونة قد تُستثمر لاحقاً في أي تطورات أمنية أو سياسية داخل لبنان.
وانتشر في مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الساعات الماضية، فيديو مُولّد بتقنيات الذكاء الاصطناعي يظهر الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، وهو يجري اتصالاً عبر الهاتف الأرضي، في مشهد يوحي بإصدار قرار يتعلق باغتيال رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون. ويعتمد الفيديو، من خلال تركيب الصور والمؤثرات البصرية، على الإيحاء بأن الحزب قد يُقدم على اغتيال الرئيس اللبناني في حال مضى الأخير في مسار سياسي يتضمن مصافحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ومع اتساع نطاق انتشار الفيديو والتفاعل معه في منصات التواصل الاجتماعي، جرى الترويج لادعاءات تفيد بأن "الموساد" هو من نشر المحتوى، لا سيما مع ظهور شعار قناة i24 الإسرائيلية ضمن الفيديو. وأدى ذلك إلى تعزيز الانطباع بأن المادة صادرة عن جهة إسرائيلية رسمية.
غير أن التدقيق في الأمر يطرح علامات استفهام واضحة، إذ إن جهاز "الموساد" يعتمد عادة في منشوراته على حساباته الرسمية وشعاره الخاص، ما يجعل ظهور شعار مؤسسة إعلامية داخل الفيديو أمراً يثير الشكوك حول حقيقة مصدره.
المصدر مزيف
غير أن التحقق من مصدر الفيديو ومسار تداوله كشف رواية مختلفة. فبعد مراجعة محتوى القناة الإسرائيلية ومنصاتها الرسمية، تبيّن أن الفيديو لا يعود لها، كما لم يثبت صدوره عن أي جهة إسرائيلية رسمية. ورغم أن استخدام إسرائيل لخطابات التحريض والفتنة ضد لبنان ليس أمراً مستغرباً في ظل تاريخ طويل من الحرب النفسية والاستهداف الإعلامي، فإن المفاجأة كانت في أن الفيديو جرى إنتاجه ونشره من قبل لبنانيين.
"لا للاحتلال الإيراني"
يعود المحتوى إلى حساب يحمل اسم "لا للاحتلال الإيراني"، سبق له أن نشر مقاطع أخرى مصممة بالذكاء الاصطناعي ذات خلفيات سياسية، تضمنت انتحال شخصيات رسمية لبنانية واستخدامها في سياقات تحريضية كرئيس الجمهورية اللبنانية، ورئيس الحكومة، وشخصيات سياسية أخرى.
وبعد نشره، جرى توظيف الفيديو سياسياً في مواقع التواصل، إذ تفاعل عدد من المستخدمين، ومن بينهم خصوم سياسيون لـ"حزب الله"، مع المحتوى على أساس أنه صادر عن إسرائيل أو أن "الموساد" يقف خلف نشره، مستخدمين خطاباً يتهم الحزب بالتخطيط لاغتيال الرئيس اللبناني في حال استمر في المسار الذي طُرح بشأن التفاوض المباشر أو الذهاب للقاء نتنياهو، معتبرين أن الحزب يسعى إلى تقويض أي فرصة، بنظرهم، قد تُخرج لبنان من دائرة الصراع مع إسرائيل وتدخله في مسار سلام.
وعند هذه النقطة، تتجاوز المسألة حدود التفاعل الرقمي والتضليل السياسي، إذ يندرج هذا النوع من المحتوى ضمن خطاب فتنوي وتحريضي قد يمتد أثره من الفضاء الافتراضي إلى الشارع، خصوصاً في ظل الانقسام السياسي الحاد الذي يعيشه لبنان.




