اتصل به ضابط إسرائيلي: "هل تريد أن تموت مع من حولك أم وحدك؟"

المدن - ميدياالاثنين 2026/05/11
Image-1778488354
عناصر الدفاع المدني اللبناني بعد غارة في النبطية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في جنوب لبنان، برزت قضية أحمد ترمس كمثال يعكس التحول المتسارع في طبيعة الحروب الحديثة، بعدما تحولت تفاصيل حياته اليومية وتحركاته وعلاقاته العائلية إلى عناصر ضمن "ملفات الأهداف" التي تبنيها أنظمة الذكاء الاصطناعي لصالح الجيش الإسرائيلي.

 

وتشهد الحروب الحديثة تحولاً جذرياً في طبيعة جمع المعلومات واتخاذ القرار العسكري، مع تصاعد الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في تحديد الأهداف وإدارة العمليات الميدانية. ولم تعد عمليات الاستهداف تعتمد حصرياً على الاستخبارات البشرية أو المراقبة التقليدية، بل باتت ترتكز على منظومات رقمية متقدمة تدمج بيانات الاتصالات والموقع والسلوك اليومي للأفراد، قبل إعادة تشكيلها داخل نماذج تحليلية تستخدم لدعم القرار العسكري.

 

وكان أزيز الطائرات المسيرة الإسرائيلية يملأ سماء المنطقة بشكل شبه دائم يوم استهداف ترمس، فيما بدا أن المراقبة الجوية لا تتوقف فوق القرى الحدودية في جنوب لبنان، حسبما نقلت صحيفة "لوس أنجلس تايمز".

 

وأفادت روايات نقلتها الصحيفة عن أفراد من عائلته بأن ترمس تلقى اتصالاً هاتفياً من شخص تحدث العربية بلكنة إسرائيلية، وعرف نفسه على أنه ضابط في الجيش الإسرائيلي. وخلال المكالمة، سأله الضابط: "هل تريد أن تموت مع من حولك أم وحدك؟". وبحسب العائلة، أجاب ترمس بكلمة واحدة قبل أن يغلق الخط: "وحدي".

 

واتهم الجيش الإسرائيلي ترمس (62 عاماً) بأنه كان يؤدي دور حلقة وصل بين "حزب الله" وسكان بلدة طلوسة الحدودية، التي تحولت خلال الحرب الأخيرة إلى منطقة مواجهة مفتوحة. وبعد وقف إطلاق النار، تولى التنسيق مع فرق الصيانة والدفاع المدني لإعادة تشغيل البلدة، في حين استمرت الغارات الإسرائيلية على مناطق مختلفة من جنوب لبنان. وبحسب الروايات العائلية، أدرك ترمس بعد المكالمة أنه أصبح هدفاً مباشراً. وقال لأفراد عائلته إن الإسرائيليين يلاحقونه، وطلب منهم مغادرة المنزل وتركه بمفرده. وحاول بعض أقاربه إقناعه بالهروب أو تغيير مظهره، لكنه رفض، معتبراً أن الأمر أصبح بلا جدوى بعدما "عرفوا وجهه".

 

وبعد دقائق، غادر ترمس المنزل متوجهاً إلى سيارته. وذكرت تقارير ذات صلة أنه شغل المركبة وانطلق بها، قبل أن تتعرض بعد أقل من ثلاثين ثانية لضربة صاروخية أدت إلى مقتله فوراً. وجرى تناول العملية ضمن سياق أوسع يتعلق بتطور أنظمة الاستهداف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، والدور الذي باتت تلعبه هذه الأنظمة في الحروب الحديثة، خصوصاً في لبنان وغزة، حسبما أشارت خدمة "يورونيوز" الإخبارية.

 

وأفاد خبراء أن الأنظمة الحديثة تعتمد على دمج كميات هائلة من البيانات من مصادر متعددة، تشمل الهواتف المحمولة، وكاميرات المراقبة، وإشارات "واي فاي"، وشبكات الاتصالات، والطائرات المسيرة، والسجلات المدنية، وبيانات المرور، إضافة إلى معلومات يتم جمعها من المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

 

وأشار متخصصون في تحليل البيانات العسكرية إلى أن بعض التقنيات تتضمن ربما أدوات تحاكي أبراج الاتصالات الخلوية، ما يسمح باعتراض الإشارات وتتبع تحركات الهواتف والأفراد بشكل لحظي أو شبه لحظي، حتى في حالات تغيير شرائح الاتصال. وبعد جمع البيانات، تدخل المعلومات إلى منصات تحليل متقدمة تعمل على ربط الهوية الرقمية لكل شخص بأنشطته اليومية وعلاقاته الاجتماعية وتحركاته وأنماط اتصاله، بما يؤدي إلى إنتاج ما يشبه "الملف السلوكي" المفصل لكل فرد.

 

وفي حالة ترمس، أشارت التقارير إلى وجود روابط عائلية مباشرة بـ"حزب الله" حيث قتل أحد أبنائه خلال الحرب، فيما أصيب ابن آخر في هجمات أجهزة النداء البيجر التي استهدفت عناصر الحزب العام 2024، لكن خبراء في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، قالوا أن الأنظمة التي استخدمت لاستهدافه، لا تعتمد على دليل مباشر واحد، بل على تراكم عدد كبير من المؤشرات، مثل مكان الإقامة، والعلاقات الاجتماعية، وأنماط الحركة، وسلوك الاتصالات، والانحرافات عن الروتين اليومي، لتقدير "مستوى التهديد" المحتمل.

 

وأشارت وسائل إعلام إسرائيلية من بينها صحيفة "جوروزاليم بوست" إلى أن هذه المنظومات أصبحت قادرة على تقليص زمن تحليل الأهداف من أسابيع إلى ثوان، عبر أتمتة عمليات الفرز والتقييم وربط البيانات. وفي المرحلة التالية، تتولى خوارزميات الذكاء الاصطناعي مقارنة الأنماط السلوكية للأفراد ببيانات سابقة مرتبطة بأشخاص يصنفون كعناصر مسلحة أو أهداف عسكرية محتملة، لتنتج تقديرات احتمالية حول مستوى الخطورة، استناداً إلى تحليل العلاقات والتحركات والأنشطة اليومية.

 

لكن هذا النوع من الأنظمة أثار جدلاً متزايداً في الأوساط القانونية والأكاديمية، خصوصاً في ما يتعلق بقدرتها على التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومدى موثوقية القرارات المبنية على التحليل الإحصائي والأنماط السلوكية. وحذر باحثون في علم الجريمة وتحليل البيانات من أن الاعتماد على التشابه السلوكي أو الروابط العائلية والجغرافية ربما يؤدي إلى إدراج أشخاص غير مشاركين في العمليات العسكرية ضمن لوائح الاستهداف، خصوصاً في البيئات المعقدة التي تختلط فيها الحياة المدنية بالبنية العسكرية والتنظيمية.

 

وأشار خبراء إلى أن هذه الأنظمة لا تعتمد على المنطق بالمعنى التقليدي، بل على البيانات والاحتمالات الإحصائية، ما يؤدي ربما إلى تكرار الأخطاء بسرعة أكبر وبثقة أعلى عندما تكون المعلومات الأصلية غير دقيقة أو ناقصة.

 

ولا يعد توظيف البيانات الضخمة في العمليات العسكرية أمراً جديداً، بل استخدمته جيوش عديدة، من بينها الجيش الأميركي في العراق وأفغانستان، كتحليل بيانات الاتصالات لرصد التحركات وتحديد الأنماط المشبوهة، لكن التطور التكنولوجي خلال السنوات الأخيرة نقل هذه الأدوات إلى مستوى أكثر تعقيداً، مع استخدام أنظمة قادرة على التنبؤ وتحليل السلوك واستباق الأحداث بصورة متزايدة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث