الفوضى الإعلامية...من النبي شيت إلى عين سعادة

المدن - ميدياالسبت 2026/05/09
Image-1773127467
عملية النبي شيت نفذتها قوة إسرائيلية خاصة ليلة 6-7 آذار/مارس في البقاع (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

كشفت أربعة تقارير، صدرت بين آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026، الدور المتصاعد لمجموعات "واتسآب" وقنوات "تيلغرام" والمنصات الرقمية في تشكيل الروايات السياسية والأمنية في لبنان خلال فترات التصعيد والحروب، وسط غياب روايات رسمية سريعة وموثوقة، ما سمح بانتشار شائعات ومعلومات غير مؤكدة تحولت في كثير من الأحيان إلى "حقائق" متداولة على نطاق واسع.

 

وتناول أحد التقارير، الصادر عن "مؤسسة سمير قصير" و"InflueAnswers"، عملية النبي شيت التي نفذتها قوة إسرائيلية خاصة ليلة 6-7 آذار/مارس في منطقة البقاع، وترافقت مع نحو 40 غارة جوية وأسفرت عن استشهاد 41 لبنانياً وإصابة العشرات، قبل انسحاب القوة الإسرائيلية من دون تحقيق هدفها المعلن المرتبط، وفق تقارير إسرائيلية، بمحاولة البحث عن بقايا ضابط سلاح الجو الإسرائيلي رون أراد المفقود منذ العام 1986.

 

وأشار التحقيق إلى أن الساعات الأولى بعد العملية، شهدت انتشار روايات مختلفة تماماً عن الوقائع التي أكدها لاحقاً "حزب الله" نفسه والجيش اللبناني. فبينما تحدث بيان الحزب الرسمي عن اشتباكات وانسحاب القوة الإسرائيلية فقط، تداولت قنوات مؤيدة للحزب في "واتسآب" و"تيلغرام" روايات عن "كمين لقوة الرضوان" و"أسر جنود إسرائيليين" و"إسقاط مروحية" و"تفعيل بروتوكول هنيبعل".

 

واعتمد التحقيق على تتبع منشورات موثقة زمنياً عبر قنوات مثل "صدى الضاحية" و"صابرين نيوز"، و"بنت جبيل"، حيث أظهرت البيانات أن الرواية بدأت عند الساعة 1:05 فجراً مع منشور تحدث عن "فشل عملية إنزال إسرائيلية"، قبل أن تتوسع خلال أقل من ساعة إلى مزاعم عن وحدة إسرائيلية محاصرة وأسر جنود. وخلص التحقيق إلى أن ما حدث لم يكن بالضرورة حملة تضليل مركزية، بل نتيجة بنية إعلامية حربية قادرة على إنتاج يقين زائف من دون حاجة إلى توجيه مباشر.

 

وخلص التحقيق إلى أن هذه الروايات انتشرت عبر "التوثيق الدائري"، حيث نسبت قنوات لبنانية معلومات غير مؤكدة إلى "الإعلام العبري"، قبل أن تعيد حسابات إسرائيلية غير رسمية في "تيلغرام" نشر الادعاءات نفسها، لتعود القنوات اللبنانية وتتعامل معها بوصفها "تأكيداً إسرائيلياً مستقلاً". كما فند التحقيق مقاطع فيديو جرى تداولها على أنها تظهر إسقاط مروحية إسرائيلية، مشيراً إلى أنها في الواقع كانت مشاعل إنارة استخدمها الجيش اللبناني.

 

وفي تقرير ثان بعنوان "الانقلاب ومكالمة زوم"، وثق "InflueAnswers" انتشار روايتين غير موثقتين عقب الضربات الإسرائيلية في 8 نيسان/أبريل، المعروفة باسم "عملية الظلام الأبدي". وزعمت الرواية الأولى أن إسرائيل تعقبت مسؤولين في "حزب الله" عبر اجتماع عبر "زوم" باستخدام عناوين "IP"، بينما تحدثت الثانية عن إحباط محاولة انقلاب كان الحزب يخطط لها ضد الحكومة اللبنانية.

 

واستند التقرير إلى توثيق 52 حالة تداول في مواقع التواصل الاجتماعي و"واتسآب" وشاشات التلفزيون وتعليقات إعلامية وسياسية، مشيراً إلى أن الروايتين بدأتا من مواد مجهولة المصدر أو ضعيفة التوثيق، قبل أن تنتشرا عبر إعادة النشر والتضخيم من قبل شخصيات سياسية وإعلامية ومنصات إقليمية.

 

وأشار التقرير إلى أن إحالات متكررة إلى "القناة 24 الإسرائيلية"، إضافة إلى الخلط بين منصتي "ME24" و"i24NEWS" ساهمت في منح الروايات المتداولة مظهراً من المصداقية، رغم غياب أي أدلة حاسمة تدعمها. ومع مرور الوقت، انتقلت الروايات من مستوى الشائعات والتلميحات إلى التغطيات التلفزيونية والتحليلات السياسية والمقالات الصحافية.

 

وخلص التقرير إلى أن غياب آليات التحقق الصارمة سمح لروايات ذات تداعيات سياسية وأمنية كبيرة، ومصادر غير واضحة، بالانتقال بسرعة بين المنصات والجماهير المختلفة، واكتساب شرعية متزايدة رغم هشاشة الأدلة التي تستند إليها.

 

أما التقرير الثالث، فتناول الغارة الإسرائيلية على عين سعادة في 5 نيسان/أبريل، معتبرأ أنها تشكل نموذجاً واضحاً للفوضى المعلوماتية الناتجة عن غياب رواية رسمية سريعة وموثوقة. وأشار التقرير إلى أن الجيش اللبناني أصدر بيانه الأول بعد 22 ساعة من الغارة، فيما صدر البيان الثاني بعد نحو 40 ساعة، ما خلق فراغاً معلوماتياً واسعاً سمح بانتشار شهادات غير مؤكدة ومعلومات مضللة ومحتوى مفبرك عبر وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل ومجموعات "واتسآب" الإخبارية.

 

وأضاف التقرير أن الفراغ سمح لجهات مختلفة بتوجيه فهم الرأي العام قبل استقرار الوقائع، سواء عبر نشر مواد مفبركة أو عبر تضخيم أجزاء من الحقيقة وتقديم استنتاجات حاسمة قبل التحقق منها. كما أشار إلى أن مجموعات "واتسآب" الإخبارية أدت دوراً أساسياً في نشر هذه الروايات مستفيدة من جمهور واسع يضم مئات آلاف المتابعين.

 

وفي ملف منفصل، وثق تقرير لـ"مؤسسة سمير قصير" حملة إلكترونية واسعة ضد قناة "MTV" اللبنانية بعد بثها تقريراً عن مواقع احتجاز يشتبه في أنها تابعة لـ"حزب الله" واستخدام تحقيقات خارج الأطر القانونية.

 

وأشار التقرير إلى أن الحملة بدأت في "إكس" عبر اتهامات للقناة بأنها "كشفت مواقع حساسة" وساعدت إسرائيل في تحديد أهداف داخل الضاحية الجنوبية لبيروت، قبل أن تتحول سريعاً إلى حملة ترهيب تضمنت اتهامات بـ"الخيانة والعمالة"، ودعوات إلى مقاطعة القناة ومعاقبة العاملين فيها، إضافة إلى تداول معلومات شخصية وأرقام اتصال مرتبطة ببعض الموظفين والمتعاونين مع القناة.

 

واعتمد التقرير على مراجعة منشورات في "إكس" وأرشيف من لقطات الشاشة جُمعت لتوثيق المرحلة الأولى من الحملة، مشيراً إلى أن التصعيد حصل عبر إعادة النشر المكثف والتضخيم السياسي والردود المتكررة، ما ساهم في تقديم "MTV" بوصفها "جهة معادية" لا مجرد مؤسسة إعلامية تتعرض للانتقاد.

 

وخلصت التقارير الأربعة إلى أن المشكلة لم تعد تقتصر على انتشار الشائعات، بل باتت مرتبطة بضعف قدرة المؤسسات الرسمية في لبنان على تقديم روايات سريعة وموثوقة خلال الأزمات، ما سمح بظهور بيئة إعلامية رقمية قادرة على تحويل معلومات غير مؤكدة إلى سرديات سياسية وأمنية واسعة التأثير قبل تثبيت الوقائع الفعلية.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث