الجنوب المتسلّل إلى الدعاء

صفاء عيّادالسبت 2026/05/09
Image-1778336093
الفنانة اللبنانية فتات بحمد
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان، أتعامل معه بدعاء جدّتي، تلك التي عاصرت حروباً، وكانت تمطر أحفادها بالدعاء، وبالسؤال عنهم، قبل أن نسأل نحن عنها.

 

لا أدري كيف نصبح نسخة مصغّرة عن أمّهاتنا وجدّاتنا حين نصبح أمّهات، نحفظ الأدعية ونردّدها، تلك التي تُقال لعدو يمحو قرانا ويخيف أولادنا.

 

حفظنا منذ عدوان تموز 2006: "الله يهدّك يا إسرائيل"، فيما نحن الذين نعاصر منذ ثلاث سنوات حرباً وإنذارات وتهجيراً، نردّد: "الله لا يوفّقن"، و"والله يهدّك يا إسرائيل"، و"الله يزلزل عليكم الأرض". لا نملك إلا الدعاء، فيما تتبخّر يومياتنا، ونلتصق بالأخبار ومجموعات "الواتسآب".

 

الليل أصعب الأوقات في الحرب. نصارع النوم خشية الاستيقاظ على إنذارات في قرانا حيث ما زال أهلنا صامدين. "الله يسلّم، الله الحامي، يا رحمة الله الواسعة". فهل بذلك نخفّف عن أنفسنا، أم أنّها حيلة للنوم ونحن نسلّم أمرنا لله؟ لا أدري. وأنا أيضاً أردّد مساءً، في وقت نوم طفلتي التي كبرت على الأغاني، ما كنت أغنّيه لها منذ ولادتها وحتى عمر السنتين، كي تنام بهدوء وراحة قبل النوم في أيام الحرب المثقلة: "هي وهي ويهلالا ويحميك الله، ويلا تنام ويلا تنام، وأهديلك طير الحمام". 

 

في الحرب، ومهما كبرنا، نشعر بأننا نحتاج إلى أمّهاتنا لكي نشعر بالأمان والاطمئنان. وهذا ما اكتشفته إبان الحرب، أنّني أحتاج إلى أمّي كطفلة صغيرة، أستمع إلى أخبارها، وإلى ليل القصف المحيط ببلدتنا.

 

وفي الحرب التي لا نملك التعال معها سوى بالدعاء، نستذكر تلك الطفولة في بيتنا الجنوبي، حيث نشعر بدفء الجنوب، في عزّ صيفه، ولهونا مع أطفالنا أمام "سطيحة" البيت، تلك التي أكلت من أقدامنا وسقطنا عليها مراراً لننسى الألم بعد دقائق معدودة.

 

وللجنوب في ذاكرتي أدعية الصباح، التي كانت من طقوس الذهاب إلى المدرسة المحاذية لجبل صافي، الموقع الشهير الذي دُحر منه العدو الإسرائيلي. وكأنّ الدعاء آنذاك كان لحمايتنا من أصوات القصف والمدافع وجدران الصوت التي رافقتنا منذ الصغر.

 

ومن ذاكرة الجنوب، في مدرستنا، يوم تحرير الجنوب في أيار 2000. توقّفت الصفوف حين وضعت المدرسة شاشة كبيرة لنشاهد عملية دحر العدو الإسرائيلي. وبرغم أنّي كنت أمقت وجودي في مدرسة دينية، فإنّ ذلك اليوم لا يغيب من ذهني، وكنت أبلغ من العمر حينها تسع سنوات.

 

أما اليوم، فباتت ذاكرتنا في فيديوهات قرانا، حين نزورها في عطلة نهاية الأسبوع، لكوب الشاي عند المغيب، ولمناظر الخُضرة الربيعية أمام المنزل. وأسأل، كما العديد من الجنوبيين: هل ستبقى ذاكرتنا في إطار الصور التي التقطناها، وسط خوف من عدم العودة إليها والتنعم بجمالها؟

 

ومنذ فترة، أعدت اكتشاف أغنية "بعدنا" لفيروز: "أرضنا هنا وربعنا، وحيث هِمنا وانتشينا، سحرها لنا وحلمنا، فإن رحلنا ومضينا". تلك الأغنية التي أيقظت الجنوب فينا: "بعدنا، من يقصد الكروم، من يملأ السلال، من يقطف الدوالي، بعدنا هل تنزل النجوم، تلهو على التلال، في هدأة الليالي، في سفحنا العرزال يرفّ سحري الغصون، وساحة الأظلال في شجوها طيب حنون". هذه الأغنية التي أرجعت لنا الجنوب، وربيعه، وربعه، وأهله وناسه.

 

في الحرب، لا نحمل معنا سوى ما يشبهنا: ابتهالات الجدّات، وأصوات أمّهاتنا، وصُور الجنوب التي تسكننا مهما ابتعدنا. نخاف على القرى كما نخاف على طفولتنا فيها، ونتمسّك بلقطاتها وأغانيها وكأنّها النجاة الأخيرة. وربما لهذا السبب، كلّما اشتدّ الخوف، عدنا إلى الجنوب، إلى دفئه وناسه وفصوله، وإلى تلك الأدعية البسيطة التي لطالما كانت تشبه الطمأنينة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث