صورة مُرمّمة بين اجتياحَين

بسمة الخطيبالأربعاء 2026/05/06
Image-1778008145
سيارتنا التي لم يكن أحد غير أبي ليتجرأ على شرائها برتقالية
حجم الخط
مشاركة عبر

انتشر مؤخّراً فيديو لقريتنا الشوفيّة أثناء الاجتياح الإسرائيلي. جنود الاحتلال مرّوا بنا في طريقهم وارتجلوا "ثكنة" عند الأطراف الساحليّة. لم يطُل احتلالهم زمناً، لكنّه عمُق جرحاً. الفيديو صامت. مظاهر إضراب عامّ، ربّما حداداً أو تنديداً بمجزرة ما، أو اعتراضاً على اعتقال العدو بعض شبّان القرية. الشخص الوحيد الذي ظهر في الشوارع المقفرة يوحي بأنّ البرد شديد. المتاجر مقفلة، مدرسة البنين ومدرسة البنات مغلقتان، ومثلهما "دكّانة" الطلّاب المفضّلة، وكيلة هرم "بونجوس" و"شوكوبرانس". خلف الشارع يقع بيت جدّتي لأمّي، بضع سيّارات اصطفّت على جنبي الشارع، بينها سيّارة برتقاليّة اللون! 

 

وأخيراً، وسط كلّ القتامة وكلّ ما يعنيه الاجتياح الإسرائيليّ وأعوام الحرب، يخفق قلبي خفقة سعادة. البرتقاليّ كان لون الفرح والانتعاش في طفولتي ومراهقتي، ليس فقط لأنّ المندرين فاكهتي المفضّلة، بل بسبب سيّارة أبي البرتقاليّة التي كانت تعني النزهات وأغاني الراديو ومحاولة القبض على الهواء من النافذة والتنقّل بين شوارع البلدة والمدن الأبعد، وفق الوضع الأمني، وبالتأكيد المرور بين أشجار البرتقال والليمون المزهرة في الطريق إلى مدرستي الأولى، حيث بساتين لا يحصرها نظري الفضوليّ وأنفي الدائخ من روعة الرائحة. 

 

لا بدّ أن تجذب تلك السيّارة نظر كلّ من يشاهد الفيديو اليوم. موديل قديم ولون لافت. برتقاليّ! قد يسأل كثيرون، ومن كان ليقتني في الحرب سيّارة بهذا اللون!؟ 

 

بين آلاف مشاهدي الفيديو، أنا أملك الإجابة: أبي. 

تلك سيّارة أبي، ليس فقط لأنّه امتلك سيّارة فيات برتقاليّة، زمن تصوير الفيديو، وليس لأنّها في الشارع الموازي لبيت جدّتي، بل لأنّي رأيت انعكاس وجهي في زجاجها. 

رجل واحد في تلك القرية الواقعة بين بوابة الجنوب وبوابة بيروت وبوابة الجبل، تجرّأ على شراء سيّارة برتقاليّة عشيّة الحرب، العام 1974، هو أبي. 

يومذاك كان أستاذاً في الملاك الرسميّ، خرّيج دار المعلّمين وجامعة بيروت العربيّة قسم اللغة العربيّة التي عشقها، وأسير الشعر الذي ورث مَلَكة نظمه عن أجداده، وقد استأجر للتوّ بيت الزوجيّة وأثّثه مع خطيبته، واشترى سيّارته الأولى من شركة الفيات بالتقسيط المريح، من دون أن يقدّر أنّ الطرق لن تكون دائماً سالكة للسيّارات، من لحظة إمساكه للمقود وحتّى تصير السيارة خردة.

   

كثيرون مثله صمدوا في البلد. أسّسوا أسرهم واقتنوا السيّارات وأثّثوا المنازل. كثيرون قالوا سيرحل المحتلّ والمسلّحون وستنتهي الحرب وسنصطحب أطفالنا إلى المدارس والملاهي، لكنّه وحده الذي اقتنى سيّارة بهذا اللون الزاهي والجريء. كان يُحسن الظنّ بالغد.

 

شبّاك واحد يرى كلّ المدن

الفيديو المتداول مُستعاد من أرشيف ما، بمناسبة الذكرى الـ 48 لاجتياح العدوّ الإسرائيلي لجنوب لبنان (14 آذار 1978)، وهو ما أعيشه اليوم بحذافيره وتفاصيله، بينما في ثمانينيات القرن العشرين (تمدد الاجتياح إلى بيروت في 6 حزيران 1982) كنت واحدة ممّن عاشوا طفولة من دون كهرباء وتلفاز (إلّا ما ندر) وبالتأكيد من دون إنترنت وهواتف. وتأتيني إحدى المنصّات الإلكترونيّة بتلك السيّارة البرتقاليّة لترمّم صور طفولتي حين كنت أخرِج يدي من النافذة وأصرخ: "غوااا غوااا"، (كنت أقلب الهاء غيناً). وترمّم صور أهلي وأحاديثنا في السيّارة، وتحديداً سؤال أبي حين نعود من كلّ مشوار بعيد: "اذكروا البلدات والمدن التي مررنا بها في مشوارنا"! لم تكن لعبة، بل تمريناً ذهنياً وعاطفياً وجغرافياً، اختباراً لذاكرتنا وانتباهنا. 

 

كان عليّ أن أبدأ الإجابة، كوني البنت الكبرى، لكنّ ما لم يفطن إليه أحد، هو أنّني كنت الأكثر شروداً بين أخوتي. كوني الكبرى أعطاني أيضاً أحقّية الجلوس الدائم- ذهاباً وإياباً- إلى الشبّاك الخلفيّ والتحديق في الشوارع والأشجار والتلال والبحر والبنايات واللوحات الإعلانيّة. وبسبب هذه الأفضليّة تحدّد مصيري، حين رأيت في أحد المشاوير، وأنا أمدّ رأسي من الشبّاك، مذيعة "تلفزيون لبنان"، ريما نجم شري، تدخل مبنى التلفزيون في تلّة الخيّاط، ويستقبلها رجل الأمن والحاجب وربما بعض المعجبين، فتبتسم لهم وتلمع شفتاها المتبرّجتان، ويتمايل جيبون تنّورتها الجميلة. بسبب تلك اللقطة أردت منذ الطفولة أن أدرس الصحافة التلفزيونيّة والإذاعيّة، فأعرف متعة التهادي نحو بوّابة التلفزيون، الذي كان بحقّ صندوق العجائب في عالمنا المُحاصَر والرتيب.  

 

الأمل لم ينقذ أحداً

بابا، كنتَ مُستبصراً حين اخترت تلك السيّارة، لو أنّك اخترت سيّارة أخرى، بيضاء أو سوداء، لصاح كثيرون اليوم وقالوا تلك سيّارتنا. لا. بالإذن منكم، تلك سيّارة أبي، صمدت طوال الحرب وتحوّلت خردةً بعد "الطائف"، حين لم يعد "دفشها" الصباحيّ نافعاً. تلك سيّارتنا في الفيديو القديم المرمّم، وتلك أنا جالسة خلف أبي أتنسّم رياح الحرب الباردة، أتركها تلفح وجهي وتلسع ذاكرتي وهي تتكوّن، وأحاول أن أعدّد أسماء المدن والبلدات التي مررنا بها في مشاويرنا بعد تدميرها وبعد ترميمها وبعد إعادة تدميرها وبعد إعادة إعمارها حتّى الساعة وحتّى الغد. مدن انتُهِكت وستُنتهك مراراً، من الغريب والقريب. حصار واحتلالات وقنبلة نترات واعتصامات وحواجز من دواليب مشتعلة ومستوعبات قمامة، ورصاص مطّاطي وغير مطّاطي وعدوان من البحر والبرّ والجوّ... الكثير يا بابا كان ليفطر قلبك، ونقول نحن أسرتك أحياناً مصبّرين أنفسنا على رحيلك: "جيّد أنّك لم تر هذه الأيام! كانت لتؤلمك أكثر ممّا فعل السرطان".

 

كنتَ شجاعاً، مؤمناً بأنّ المأساة، كلما كبرت، اقتربت من نهايتها. "اشتدّي يا أزمة بتنفرجي" و"إذا ما كبرت ما بتصغر"... عبارات كرّرتها لنا، لكنّي، أخشى اليوم أن أخذلك وأنا أعدّ خطّة الرحيل. لا أملك شجاعتك. بل ومنذ احتدّت عصبيّات الفتنة، لا أجرؤ على ارتداء لون زاهٍ، أو شراء دزّينة ملاعق أو إصلاح ستارة الصالة. لا نفع لشيء ولا حتّى الأمل. الأمل الذي امتلكتَه لم ينقذ أحداً، اللهم إلا ذكرى صورتنا في السيّارة، وصوتي وأنا أغني للغوااا، وأحاول بكفّي أن أتمسّك به وأمنعه والزمن من الانسياب.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث