"تجربة غزة" تتيح القطاع لمَن اشتاق إلى معالمه

المدن - ميدياالاثنين 2026/05/04
Image-1777882029
حجم الدمار في غزة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كان نعيم أبو الردي يشعر بالحنين إلى وطنه العام 2022 عندما أمضى نحو سبع سنوات منذ آخر مرة رأى فيها غزة. وكطالب دراسات عليا في الإعلام، ومع الحصار الطويل المفروض على القطاع، لم يعد الوطن سوى ذكرى، لكن، بصفته مراقباً جريئاً لتقنيات الإعلام الجديدة، وجد طريقة أخرى للعودة إلى الوطن.

 

وأرسل أبو الردي، بالتعاون مع أحلام المحتسب، أستاذة دراسات الإعلام في "جامعة ولاية كاليفورنيا" وفريق الباحثين في "مختبر X-Real" كاميرا بزاوية 360 درجة إلى غزة، حيث تولى صديقه الصحافي أحمد حسب الله تصوير الأماكن التي اشتاق لرؤيتها: الأسواق، الشوارع والساحات المزدحمة في مدينة غزة، الحمام التركي الذي يعود عمره إلى ألف عام، والبحر، حسبما نقل موقع "ميدل ايست آي".

 

استغرق وصول الكاميرا إلى غزة ستة أشهر. لكن بمجرد وصولها، تحولت تجربة التصوير بزاوية 360 درجة إلى ما يشبه بوابة سمحت له بتجاوز قبضة إسرائيل على حدود القطاع والعودة إلى وطنه، ولو افتراضياً. وأبكته اللقطات التي عادت إليه.

 

لاحقاً، وظف الفريق، حسب الله، لتصوير مزيد من المشاهد بين تموز/يوليو 2022 وتموز/يوليو 2023. وتحول المشروع إلى رحلة أوسع تهدف إلى إتاحة الفرصة للفلسطينيين في الضفة الغربية وفي أنحاء العالم لـ"تجربة" غزة عبر تقنيات جديدة، من بينها الواقع الافتراضي والواقع المعزز، المعروفة مجتمعة باسم "الواقع الممتد" (XR).

 

ولم يتمكن أجيال من الفلسطينيين الذين غادروا غزة منذ النكبة من العودة، بينما لم يعرفها آخرون خارج القطاع إلا من خلال الإعلام. وكانت الفكرة أن يقدم المشروع، ولو نظرياً، لحظة عابرة لتجربة غزة: "فرصة للانغماس في مكان حرموا من رؤيته، والأهم أن يكون ذلك وفق شروطهم هم"، لكن أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 غيرت كل شيء.

 

وشاهد أبو الردي الأماكن نفسها: المساجد، الشوارع، المباني السكنية، المدارس، الجامعات وتفاصيل الحياة اليومية التي وثقتها كاميرات 360 درجة، وهي تتهاوى مع بدء إسرائيل الحرب ضد حركة "حماس" التي أشعل هجومها على جنوب إسرائيل فتيل الحرب. 

 

وهرب حسب الله إلى جنوب غزة، ودفنت الكاميرا تحت الأنقاض عندما قصفت إسرائيل منزله. كما قتل والده. وأمام الدمار الهائل لم يطلق المشروع إلا مطلع العام 2024، بعدما أدرك الفريق أنهم يمتلكون أكبر أرشيف لمقاطع فيديو بزاوية 360 درجة من غزة: أرشيفاً نادراً وثميناً يوثق الحياة اليومية والتراث الثقافي، أشبه بكبسولة زمنية من زمن ماض.

 

وقال أبو الردي، وهو الآن مرشح لنيل الدكتوراه في "جامعة كولورادو": "كنا نريد إظهار الثقافة والتاريخ. لم نتخيل، حتى في أسوأ كوابيسنا، أننا كنا نوثق التاريخ، وأن كل ما كنا نلتقطه سيتحول إلى مجرد ذكرى". وأضاف أن المشروع يشكل رداً مضاداً على محاولة إسرائيل محو شعب بأكمله: "غزة موجودة، وشعبها باق"، حسب تعبيره.

 

وخلال الأسابيع الماضية، تنقل المعرض الاستثنائي بين جامعات في الولايات المتحدة، حيث دعي الزوار لارتداء نظارات الواقع الافتراضي والانغماس في غزة كما كانت قبل الحرب. ويمكن للزوار أن يجدوا أنفسهم في مواقع مختلفة: يقفون جانباً بينما يمر متزلج في مخيم للاجئين، أو يقومون بجولة داخل كنيسة القديس برفيريوس، ثالث أقدم كنيسة أرثوذكسية يونانية في العالم، أو يتأملون المسجد العمري الكبير، أو يتجولون في أحد أسواق غزة التاريخية.

 

وأتاحت التجربة للزائر أن يرفع نظره إلى السماء، أو يقف بجانب أطفال يسبحون في البحر المتوسط، أو يستمع إلى ضجيج الحياة اليومية، أو يلتفت ليتأمل منحوتة داخل كنيسة تاريخية. كما يمكنه الوقوف بجانب شاب يقطف التين أو العنب أو التمر، أو الجلوس داخل سيارة تسير في شارع الرشيد بمحاذاة البحر. ويمزج المشروع بين الصوت والصورة بطريقة غامرة توفر تجربة حسية فريدة.

 

وبحلول منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2023، تدمرت العديد من هذه المواقع أو تضررت بشدة. وتحولت كنيسة القديس برفيريوس إلى ملجأ لمئات المدنيين، قبل أن تقصفها إسرائيل في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ما أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة منها. وفي الأشهر التالية، أصبح مصير الأشخاص الذين ظهروا في الصور والفيديوهات مجهولاً.

 

وتحول المشروع، الذي كان يهدف في الأصل إلى توثيق الحياة والثقافة الفلسطينية، إلى "فعل مقاومة" بحسب أصحابه. وقتل الصحافي يحيى صبيح، الذي صور جزءاً كبيراً من المواد خلال الحرب، في 7 أيار/مايو 2025. لاحقاً، انضمت زوجته أمل إلى المشروع لمواصلة عمله.

 

ويأمل أبو الردي أن تساعد المواد الغامرة المحامين في التحقيق بجرائم الحرب، وكذلك المهندسين في إعادة إعمار غزة رقمياً. ومنذ العام 2022، وصل المشروع إلى جمهور في أوغندا وإيطاليا وكندا وهولندا والنروج، إضافة إلى أكثر من 50 جامعة في الولايات المتحدة. وسيعرض لاحقاً في جنوب أفريقيا، ثم اليابان وإسبانيا.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث