دخل الذكاء الاصطناعي في النشرات الإخبارية للقنوات اللبنانية، كصحافي بحد ذاته أكثر من كونه مجرد أداة يمكن استخدامها من قبل الصحافيين البشر، ما يجعل النقاش حول وظيفة الذكاء الاصطناعي في الصحافة وحدود استخدامه، ضرورياً، في ظل فوضى المعلومات الموجودة أصلاً في لبنان.
وفي خبر نشرته قناة "الجديد" ضمن نشرتها الاخبارية حول محاكمة نوح زعيتر، ظهر فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي يعيد تمثيل المحاكمة من داخل محكمة التمييز. لا يمكن الوقوف عند تركيبة الفيديو من دون التساؤل حول حاجة القناة لٳعادة ٳنتاج الصورة المرتبطة بهذا الحدث تحديداً، خصوصاً أنه كان بإمكانها الاستعاضة عن الفيديو من داخل المحكمة بصور أخرى لزعيتر، كما جرت العادة قبل دمج الذكاء الاصطناعي في العمل الصحافي.
وخلافاً للقانون اللبناني، الذي يفرض قيوداً أمام التسجيل من داخل قاعة المحكمة، يظهر استخدام الذكاء الاصطناعي وكأنه يتجاوز الحدود المسموح بها، ليضفي طابعاً درامياً على المشهد، ويعيد صياغة الواقع بأسلوب سينمائي ربما لا يتناسب مع قضية بهذه الجدية والحجم.
وتبدو ملامح الشخصيات في الفيديو محرفة، تحديداً عناصر فرع المعلومات والقاضي بلال ضناوي، ما يضع الصحافة أمام إشكالية مواءمة استخدام الذكاء الاصطناعي مع طبيعة المحتوى. ومع تزايد انتشار الأخبار المضللة، ربما تتحول هذه الصور، بفعل تداولها أو حتى ترسيخها في الذاكرة البصرية، إلى حقائق لا يرقى إليها الشك. وبدلاً من أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الصحافي، ربما ينقلب إلى وسيلة تنشئ واقعاً جديداً يهيمن على العمل الصحافي والسردية الإعلامية.
كما أن توليد الصور باستخدام الذكاء الاصطناعي في أوقات الحروب لا يخدم بالضرورة السرد الإخباري، بل يضيف أحياناً بعداً درامياً مصطنعاً يفقد المادة جديتها ومصداقيتها. وهنا، قامت قناة "ال بي سي" بإنتاج فيديو إخباري كامل عبر هذه التقنية حول عنصر في "حزب الله" سلم نفسه للجيش الإسرائيلي في بلدة رميش، أواخر شهر نيسان/أبريل الماضي.
والحال أن استخدام الفيديو ضمن الإطار السردي يساعد على تبسيط المعلومات وتوضيحها، لكن عند مقارنته بمعايير العمل الصحافي التقليدي التي تعتمد على الصورة الأصيلة من الميدان، ومواد الوكالات، ومحتوى الناشطين تتحول الصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي إلى بديل ربما يعامل كأنه مصدر أصيل، ما يثير مخاوف جدية من تقويض موثوقية المصادر الإعلامية لصالح إنتاج محتوى درامي يهدف إلى الجذب والتسويق بدل الإخبار وتعزيز المعرفة.
وهنا، بدا الفيديو منذ لحظاته الأولى أقرب إلى مشاهد من فيلم رسوم متحركة، من لقطات القرية إلى يافطة الترحيب وصولاً إلى عناصر الدفاع المدني، في محاولة لخلق انطباع بواقعيته، لكن هذا الأسلوب يعمق الالتباس بين ما هوي حقيقي وما هو مزيف، ويضع المشاهد أمام صعوبة في التمييز بين ما هو موثق وما هو مصطنع. ورغم استناد التقرير إلى رواية منقولة عن أحد الشهود، يبقى الفيديو تمثيلاً مجتزأً للحقيقة، حيث يغيب عنه حضور الشهود الفعليين والمقابلات الميدانية، وهي احدى الركائز الأساسية في العمل الصحافي التقليدي. وبذلك، يتحول السرد إلى محاكاة ناقصة تضعف قيمة التقرير، وتشكل مساومة على حساب الدقة والموضوعية.
ويضع هذا التحول الدور التوثيقي للإعلام أمام تحديات كبيرة، في ظل سهولة إنتاج الصور بسرعة وتكلفة شبه معدومة. فبعدما كانت التقارير الإخبارية تعتمد سابقاً على رقمنة جزئية، مثل الرسوم التوضيحية أو المشاهد التمثيلية المبسطة، تنتشر مخاوف من رقمنة شبه كاملة للتقارير، باستثناء الإنتاج الصوتي للنصوص بعدما أثبتت برامج الذكاء الاصطناعي قصورها عن انتاج محتوى سليم باللغة العربية الكلاسيكية. وهذه الغزارة في ابتداع الصورة المولدة عن طريق الذكاء الاصطناعي تضعف الحماس لدى العاملين في المجال الإعلامي للبحث عن الصورة في ظل إمكانية خلق نسخة مشابهة للواقع.
وتشكل أهمية النشرات الإخبارية وهي حصيلة عمل فريق كبير من المراسلين والإعلاميين والصحافيين، في أنها الهدف النهائي للقنوات الإعلامية لأنها ما يحدد مصداقيتها ومدى انتشارها بالإضافة الى الوقوف عند هويتها وميزاتها الاخبارية. وعليه، فٳن الاستسهال في استخدام الذكاء الاصطناعي في في ظل غياب سياسة إعلامية شاملة لدمج الذكاء الاصطناعي في النشرات الإخبارية على وجه التحديد، يأتي على حساب المصداقية في المعالجة، والمصادر، وتكريس الرواية الموضوعية.
وفيما لا ينظر إلى الرأي العام اللبناني كجمهور جاهز لتلقي هذه الضخامة في الإنتاج في عرض الروايات الإخبارية، تصبح المؤسسات الإعلامية مطالبة بالحذر في الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي لخلق الصورة الاخبارية، وبالأخذ بعين الاعتبار مدى استعداد الجمهور لتفسير تلك الصور على أنها حقيقية في سياق نشرات إخبارية يتوقع أن كل ما يعرض فيها هو مشاهد واقعية وبمثابة أدلة على أحداث ومجريات متعلقة بقضايا حساسة سياسية واجتماعية.




