أزمة "مدرسة الحريري الثانية" تقسم اللبنانيين طائفياً

راغب مليالأحد 2026/05/03
Image-1777814669
نازحة من الضاحية إلى مدرسة رفيق الحريري الثانية في بيروت (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"هل المطلوب منّا التبرير لماذا نصلي أو ممارسة شعائرنا الدينية؟" بهذا السؤال، يفتتح مغردون شيعة نقاشاً كبيراً في مواقع التواصل الإجتماعي، بعد اعتراضات على حفل تكليف فتيات بالحجاب، قيل إنه أقيم في مدرسة الحريري الثانية في بيروت التي تستضيف نازحين من الجنوب والضاحية. 

يتوسّع النقاش إلى تباينات بالرأي: ثمة فئة تدعو إلى "ضرورة عدم استفزاز الآخرين"، و"تأجيل الاحتفال بالشعائر إلى وقت لاحق"، في مقابل فئة أخرى ترى أن "الشعائر والعبادات، هي حريات فردية، يجب أن تكون خارج النقاش أو المساءلة"، وأن النازح "طالت فترة نزوحه، ويحق له أن يمارس حياته بالحد الأدنى"، وهو رأي لا يأخذ بالاعتبار هواجس المكونات والحساسيات الطائفية والمناطقية في لبنان. 

 

أزمة مدرسة رفيق الحريري الثانية

في قلب هذا الجدل، برزت مدرسة رفيق الحريري الثانية في حي البطريركية في بيروت كمحور للاعتراضات، على خلفية استخدام المدارس كمراكز إيواء وما يرافق ذلك من تضارب بين الواقع الإنساني ومتطلبات العملية التعليمية. وقد تمثّلت هذه الاعتراضات بوقفة احتجاجية نُظّمت في وقت سابق في ساحة رياض الصلح، شارك فيها عدد من أعضاء الكادر الإداري والتعليمي، إلى جانب تلاميذ وذويهم، للمطالبة بعودة التدريس إلى الثانوية.

ونُقل عن رئيس الحكومة نواف سلام تعهّده بأنّ المدرسة ستستعيد نشاطها في مقرّها الأساسي مع بداية العام الدراسي المقبل ما لم تتوسّع رقعة الحرب، متوقعاً الإخلاء خلال أسبوع.

Image-1777814730
نشاط إجتماعي في أحد مراكز الإيواء في بيروت (Getty)

شعائر دينية

بالتوازي، سُجّل اعتصام من بعض الأهالي، حيث خرج عدد منهم في مقابلات مع منصات إعلامية، محتجّين على ممارسات قالوا إنها تحصل داخل المدرسة. 

تناولت بعض وسائل الإعلام القضية عبر تقاريرنُشرت في منصات رقمية، مشيرة إلى رواية راجت خلال الأيام الماضية، تفيد بأن المدرسة تُستخدم للأنشطة الحزبية وإقامة شعائر دينية، من بينها حفل تكليف للفتيات عبر "كشافة المهدي" التابعة لـ"حزب الله"، إضافة إلى الحديث عن وجود عناصر أمنية على أبواب المدرسة تمنع الكادر التعليمي والطلاب من الدخول، واتهامات بقيام بعض النازحين بتكسير أثاث المدرسة، فضلاً عن الحديث عن قيام البعض بتأجير الغرف.

 

ملف حسّاس

يكتسب هذا الملف حساسية خاصة، ليس فقط بسبب ما أثارته الروايات المتداولة من توترات ذات طابع طائفي، بل أيضاً لارتباطه بنازحين قدموا من مناطق تشهد حرباً وعدواناً إسرائيلياً، وما رافق ذلك من ظروف إنسانية قاسية. 

ونفت جمعية "كشافة المهدي" صحة الادعاءات المتداولة، مؤكدة أنها لا ترتبط بأي نشاط كشفي داخل المدرسة ولا بأي أعمال تخريب، وأن الصور المنشورة لا تعود لها، كما أن القاعة الظاهرة ليست أساساً من مبنى المدرسة، وفق ما أكده مديرها. وبناءً على ذلك، تنتفي فرضية وجود أنشطة منظمة داخل الصرح التعليمي، بما ينفي تحويله إلى مركز حزبي أو كشفي.

Image-1777814801
نشاط ترفيهي للأطفال في مركز إيواء مؤقت أقيم في مدرسة رفيق الحريري الثانية في بيروت (Getty)

محاولات تخفيف آثار النزوح؟

وفي ما يتعلق بباقي التفاصيل، أوضح محمد حمود، مسؤول مركز النزوح في مدرسة الشهيد رفيق الحريري الثانية، في حديث لـ"المدن"، أن الاتهامات المتداولة "باطلة وعارية عن الصحة". وأشار إلى أن حفل التكليف الذي أُقيم داخل المركز "هو نشاط ديني ثقافي يُنظَّم بشكل دوري عند بلوغ الفتيات سن التكليف الشرعي"، لافتاً إلى أن تنظيم مثل هذه الأنشطة، في ظل الظروف الحالية، "يندرج أيضاً ضمن محاولات التخفيف عن الأطفال والعائلات النازحة". 

وفي ما يخص الأضرار التي قيل إن المدرسة تعرّضت لها، شدد حمود على رفض هذه الاتهامات، مؤكداً "الحرص على صون المكان وعدم السماح بأي أعمال تخريب"، كما نفى ما تم تداوله حول تأجير الغرف، معتبراً ذلك "غير منطقي ولا يستند إلى أي أساس".

وأضاف أن أعمال الصيانة "تُنفَّذ بشكل مستمر داخل المركز، مع وجود فريق مخصص لذلك"، موضحاً أنه جرى إنفاق نحو 20 ألف دولار على صيانة بئر ارتوازي، وتركيب مضخات مياه، ومعالجة المياه الآسنة، وصيانة مولدات الكهرباء، إضافة إلى تسديد فواتير الكهرباء.

أما في ما يتعلق بالحماية، فأكد عدم وجود أي عناصر مسلحة داخل المركز، مشيراً إلى أنه مخصص للنازحين فقط، وأن العلاقة مع سكان الحي طبيعية، من دون تسجيل أي احتكاكات أو خلافات.

Image-1777814862
أطفال يلهون في حرم مدرسة رفيق الحريري الثانية في بيروت (Getty)

الشعائر الدينية وواقع السكن

الحال أن التضارب في المعلومات، لا ينفي أزمة بدأت تتوسع على صعيد البيئات الإجتمناعية القادمة من ثقافات متعددة، وهويات دينية. استنفر عدد من النازحين كما من المنتمين للطائفة الشيعية، وقالوا إن هذه الممارسات "تندرج أساساً ضمن الحرية الشخصية، ولا يُفترض أن تُفسَّر على هذا النحو". ويقول هؤلاء: "النازحون يتعاملون مع وجودهم في المدرسة باعتبارها مكان سكن، يمارسون فيه حياتهم اليومية من مأكل ومشرب وعبادة، مما يجعل أي نشاط ديني أو ترفيهي، بما فيه أنشطة الأطفال أو مناسبات كحفل البلوغ، جزءاً من هذا السياق الطبيعي، لا خرقاً له أو إساءة للآخرين". 

غير أن هذه التبريرات، لا تأخذ بعين الاعتبار هويات أخرى، فالنازح يقيم "مؤقتاً"، ومن المفترض أن يراعي ثقافات الآخرين ويتعامل مع هواجسهم، وهي نقطة اساسية تحدث عنها المعترضون على إقامة النشاطات الدينية، بقولهم إن المدرسة "مركز للإيواء وليست مسجداً". 

 

هواجس المكونات اللبنانية

الواقع أن النازحين، لا يأخذون تلك الهواجس بعين الإعتبار، ويتعاملون مع الاعتراضات على أنها "استهداف". في مواقع التواصل، يتحدث هؤلاء عن أن كثيراً من هذه الشعائر تُمارس في دول متعددة الثقافات، سواء في دول أوروبية أو في الولايات المتحدة الأميركية، وحتى في وسط لندن، حيث تُقام مراسم عاشوراء من لطم وندب ومجالس عزاء في قلب عاصمة المملكة المتحدة وبين أبرز معالمها السياحية والتاريخية، من دون أن يُطرح ذلك يوماً بوصفه استفزازاً للآخرين. ويتجدد النقاش مرة أخرى، في بلد لا يمنع ممارسة الشعائر الدينية، لكنه يدعو للتعامل مع هواجس المكونات في بلد مثقل بالهشاشة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث