في مسلسل"مولانا" الذي عُرض في رمضان الماضي، تبذل بطلته جهداً لإقناع أهالي القرية النائية بحقيقة الرجل الذي ضخّمته كذبة فأصبح مولى العباد والأرزاق، بينما هو رجل عادي ارتكب جرماً فتنكّر بعباءة رجل دين من سلالة عريقة وانتحل شخصه. وقف أهل القرية بوجه الفتاة، اتهموها بالافتراء على مولاهم الذي استحقّ فداءه بدمائهم وأرواحهم، متناسين أنه، كسواه، قد يخطئ وقد يصيب، وقد يُعلي له الطمع سلّماً كما فعل بالذين سبقوه، ولياً له مريدون... ديكتاتوراً يسحق الحريات... ثم طاغية يقتل شعبه لا تسعه أرض أو سماء.
لا أحد يحب الحقيقة
يغطي الوهم الحقيقة، يبتلعها إن عكست قبح المجتمعات، فسادهم وتيههم. يؤمّ الجهل الجموع فيكفيها شرّ مجاهدة النفس والتكليف. وحين يطفو الوعي كفقاعات على سطح هائج، ينكفئ على ذاته، فالجهل يبتلع المنطق وآلية التفكير. الأنظمة الشمولية وَأَدت كل فكرة حاولت أن تطير وتعبر السياج. لا غيوم في هذي البلاد، فكل غيمة تُخنق قبل أن تتكثف. وإن تمرّدت واحدة لن تجد أخرى تساعدها على الغيث، وإن حدثت المعجزة وأمطرت، سيختبئ القطيع في الجحور خشية المطر المسموم، فهناك شائعة محاكة مسبقاً لكل محاولة:"أيها الناس! احذروا الأمطار الصناعية فهي تُذهب العقل وتجعل الأرحام عاقر!". تفوز الخرافة أعلى الواقع، ليس لأنها أقوى، بل لأنها تبثّ الطمأنينة في قلوب تخاف المجهول.
في كتابه "الحنين إلى الخرافة"، يرى عادل مصطفى بأن الخرافة قد تنشط في المجتمعات التي تعاني حروباً وانتكاسات اقتصادية؛ يغذيها الجهل فتمنح تفسيراً سريعاً وشعوراً بالسيطرة. كما يمكن للأسطورة، كرمز ثقافي، أن تؤخّر الشعوب إن تجاوزت مفهوم الحكاية والحكمة منها. فتتوغل في الواقع لتصبح اعتقاداً راسخاً لا يجرؤ أحد على مسّه.
القائد
استكان أهالي"الجابرية" لمولاهم الذي بات المسيطر الأوحد على مصيرهم، يقرر عنهم ويكفيهم عناء التفكير في المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقّدة، فهذا السؤدد سيحلّ كل شيء، فلم القلق؟! بالرغم من كل العقبات المحدقة بالقرية والتي يعيها الأهالي جيداً. لا يهمهم كيف، هو إيمانهم العميق بأن مولاهم حتماً يعرف ما غاب عنهم. لا بد أن هناك شيئاً يغيب عن الشعب لا يدركه سوى واحد، هو من يستحق أن يؤتمن على الحلم والحلول.
بالعودة إلى الكتاب، يرى مصطفى أن الإيمان بالقائد الرمز هو شكل جديد للخرافة؛ فبدلاً من الأسطورة والسحر هناك السياسي الذي مُنح قدرات خارقة. وهذه نتيجة لاحتياج نفسي عميق يزداد عمقاً كلّما اشتدت الأزمات وغاب الوعي النقدي. ولأن "الجماعات لا تفكّر، بل تشعر"، بحسب الجملة الشهيرة للفرنسي غوستاف لوبون. يذوب الفرد ضمن الجماعة في ظاهرة"اللاتفرّد"، فتُساق الجموع كالقطيع، مسلوبة التفكير المنطقي أمام الزعيم صاحب الكاريزما. وبينما يضيء الفرد قنديل الدلائل متقفياً الحقيقة، يتوق الجمهور لبلوغ هدفه عبر طريقٍ سهل، فتراه يتحرك وفقاً لأوامر"مولاه" بآليات الترغيب والترهيب. فحاجة الجماهير إلى العبودية، بحسب لوبون، هي ما تدفعها غرائزياً نحو من يعلن نفسه قائداً.
يلعب الزعيم على وتر "الهوية" فلا بدّ من قصة يتشاركها مع الجماعة، يتقمص شخصية تمثل الـ"نحن" حتى تتحلّق المجتمعات حول هويتها الجمعية؛ فيغدو الزعيم مبعث الأمل والفخر. هذا الوتر جعل من جمال عبد الناصر رمزاً للتحرير والوحدة، ومن نابليون منقذاً بعد فوضى الثورة، حتى هتلر بات في عين مريديه "فوهرر" وسط أزمة اقتصادية خانقة. وهذا ما جعلني أصمت إزاء هجوم تلقيته حين وازيت بين صدام حسين وحافظ الأسد، إذ نعتُّهما بالإجرام. إلى يومنا هذا، هناك من يرى صدام حسين "أسد السنّة"، بطلاً مغواراً لا يخاف ولا يلين. تبعية أنتجها ذكاء شخص أتقن العزف على أكثر من وتر.
الجماهير المجرمة
لعلّ أكثر الآليات التي يعتمدها السياسي ليَسوسَ شعبه، هي الدين. يقول نابليون بونابرت:" لم أستطع إنهاء حرب الفونديه إلا بعدما تظاهرت بأني كاثوليكي، ولم أستقرّ في مصر إلا بعدما تظاهرت بأني مسلم تقي، وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف نلت ثقة كهنة إيطاليا، ولو أتيح لي أن أحكم شعباً من اليهود لاسترجعتُ معبد سليمان!".فالعاطفة الدينية، بحسب لوبون، أشعلت غضباً كبيراً، وأسست لتغييرات ضخمة. تخضع لها شعوب وتدافع عنها باستماتة. وهذه العاطفة ليست بالضرورة نابعة من دين معين، بل يمكن أن تُمنح كولاء لسلطة أو فكرة أو عِرق.
خصّص لوبون فصلاً في كتابه "سيكولوجيا الجماهير" سمّاه "الجماهير المجرمة". يعتقد المجرم أنه أدّى واجباً، بل وقام بعملٍ مبارك. بعد القبض على أمجد يوسف، "جزار حي التضامن" وضابط الأمن السوري في الحقبة الأسدية، بحثت أكثر في هذا السياق. هو الذي وثّّق مع رفاقه مجزرة بحقّ مدنيين، نفذوها وعلامات الارتياح تكسو وجوههم، بل وراح يفاخر بإجرامه المتطرف لاعتقاده ربما بأنه يطبق عدالة، ويدافع عن قضية ضد "إرهابيين" يريدون تدمير وطنه. تتم اليوم محاكمته، بينما يستمر أمجد يوسف كفكرة داخل كل من يجرم ويوثّق إجرامه لاعتقاده بأنه لن يحاسب كونه جزءاً من جماعة. فالمسؤولية الفردية يراها لوبون ذائبة في الحشد، وقدّم مثالاً على الإعدامات الجماعية إبان الثورة الفرنسية، حينما اعتقدت الجماهير أنها تطبق العدالة، فالإيمان الجمعي المتطرف أفقد الحشد التفكير النقدي وجعله ينساق لشعارات حماية الثورة من الخيانة. فالخوف حين ينتشر، يتحول عنفاً جمعياً مبرراً أخلاقياً. لم تحمِ النوايا الحسنة، الفرنسيين آنذاك، من العنف كنتيجة حتمية لاندفاعهم. فحين تتغذى الجموع على عقيدة، تقتل وتدمر باسم الحقّ.
يبقى الفارق في أن شعوباً، مثل الفرنسين أنفسهم، تمكنت من تذويب معظم صمغ الجماهير والجماعات، لصالح الأفراد، والحقوق الموازية للواجبات في ظل حكم القانون. ثمة مجتمعات تتعلم من تاريخها وأخطائه.




