أعادت التسجيلات المسربة من داخل سجن صيدنايا فتح ملف السجون السورية بعد سقوط نظام الأسد، المتعلق بمصير الأرشيف الورقي والرقمي الذي يفترض أن يشكل أحد مداخل العدالة في المرحلة الانتقالية. ولم تعد القضية محصورة في المقاطع التي نشرت من حساب شخصي في مواقع التواصل أو في هوية الشخص الذي وقف خلفها، وامتدت إلى سؤال أوسع حول ما خرج من السجن ليلة 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وما بقي في عهدة الأفراد، وما وصل إلى السلطات، وما يزال غائباً عن أي مسار قضائي أو توثيقي واضح.
وتداول مستخدمون اسم أحمد ليلا، من بلدة حفير الفوقا في القلمون بريف دمشق، باعتباره الشخص المرتبط بنشر التسجيلات التي ظهرت عبر حساب باسم "حيدر التراب" أو "أبو حيدر الحفيري"، قبل الحديث عن توقيفه ثم الإفراج عنه لاحقاً، من دون أن يصدر حتى الآن بيان رسمي يشرح طبيعة التحقيق، أو يؤكد بصورة واضحة صلته بالحساب، أو يحدد ما إذا كانت المواد التي كانت بحوزته قد سُلمت كاملة إلى جهة مختصة، وهو غياب جعل الروايات المتداولة تتحرك في مساحة واسعة بين التعاطف والاتهام والشك.
الخوف على الأدلة
وتمنح تفاصيل متداولة حول ليلا بُعداً إنسانياً للقصة، فقد كان من بين من دخلوا سجن صيدنايا ليلة سقوط النظام، وله شقيق مغيب قسراً منذ العام 2015، مما يجعل احتفاظه المحتمل ببعض الأقراص أو أجهزة التسجيل يُقرأ بوصفه فعلاً مرتبطاً بالخوف على الأدلة أو بالبحث عن أثر عائلي داخل أرشيف السجن، غير أن هذا البعد، في حال صحته، لا يلغي السؤال القانوني والأخلاقي حول بقاء مواد بهذا الحجم والحساسية خارج يد القضاء أو مؤسسات التوثيق لمدة سنة ونصف.
وتظهر المقاطع المسربة مشاهد من داخل نظام المراقبة في السجن، بينها غرفة تضم عدداً كبيراً من الشاشات، ومشاهد لمعتقلين داخل أماكن احتجاز أو انتظار، إضافة إلى سجلات أو غرف مرتبطة بتنظيم الزيارات، فيما حمل بعض التسجيلات تاريخ 2 كانون الأول/ديسمبر 2024، أي قبل أيام قليلة من سقوط النظام، وهو ما منحها قيمة توثيقية كبيرة لأنها تأتي من الأيام الأخيرة لواحد من أكثر السجون حضوراً في ذاكرة العنف السوري.
وما يلفت في المقاطع أن غياب مشاهد التعذيب المباشر لا يجعلها أقل قسوة، إذ يظهر فيها معتقلون في وضعية إذلال واضحة، برؤوس محنية وأجساد مقيدة الحركة، ينتظرون أمراً يسمح لهم بالكلام أو التحرك، بينما يبدو أنهم يتعاملون مع شخص خلف نافذة أو نقطة مراقبة داخلية، في مشهد يكشف جانباً من النظام اليومي للسيطرة داخل السجن. كما أن ظهور غرفة مراقبة مركزية متصلة بعشرات الشاشات، يفتح سؤالاً أكبر من المقاطع نفسها، لأن وجود هذا العدد من الكاميرات يعني بالضرورة وجود أرشيف واسع من التسجيلات، قد يضم عشرات أو مئات الأقراص التي لم تظهر حتى الآن، وهو ما يجعل قضية التسريب مرتبطة بمصير ما لم يُنشر، وباحتمالات السرقة أو الإخفاء أو البيع، بقدر ارتباطها بالمقاطع التي وصلت إلى مواقع التواصل.
مادة قابلة للتداول
وتدور الروايات حول سبب الاحتفاظ بالأقراص في ثلاثة اتجاهات رئيسية، أولها أن المواد أُخذت في لحظة فوضى خشية إتلافها أو وقوعها في أيدي عناصر من النظام السابق، وثانيها أن ما حدث يدخل في إطار استيلاء غير قانوني على أرشيف يخص الضحايا والعدالة العامة، وثالثها أن جزءاً من أرشيف السجن تحول إلى مادة قابلة للتداول والبيع والاستخدام الإعلامي أو السياسي، وهي روايات لا يمكن حسمها من دون تحقيق رسمي معلن، لكنها تكشف مقدار الهشاشة التي تحيط بذاكرة السجن منذ لحظة فتح أبوابه.
ولا يمكن فصل ضياع جزء من هذا الأرشيف عن طبيعة ليلة السقوط نفسها، فقد جاءت نهاية نظام الأسد بوتيرة فاجأت حتى القوى التي كانت تتقدم على الأرض، ولم تكن المعارضة المسلحة أو القوى المحلية التي دخلت السجون تملك العدد الكافي أو الخبرة أو البنية القانونية والأمنية اللازمة لتأمين مبان بهذا الحجم، وفرز الداخلين إليها وحماية الوثائق والأجهزة وإطلاق المعتقلين والتعامل مع أهال يبحثون عن أبنائهم وسط انهيار كامل لمنظومة السيطرة السابقة، ولذلك تبدو محاكمة تلك اللحظة بمعايير إدارة دولة مستقرة تبسيطاً لما جرى.
آلية الاسترداد
لكن تفهم فوضى الساعات الأولى لا يعفي الدولة من سؤال المرحلة التالية، إذ كان يفترض بعد اتضاح حجم الفقدان وخروج وثائق وأجهزة من السجون والأفرع الأمنية، أن تُعلن آلية واضحة لاسترداد ما خرج، وأن تُحدد جهة قضائية أو توثيقية واحدة تستقبل المواد من الأفراد، وأن تطمئن الحائزين عليها إلى إمكانية تسليمها من دون خوف، وأن تشرح للرأي العام ما استُعيد وما لا يزال مفقوداً، لأن الصمت في قضية كهذه لا يحمي التحقيق بقدر ما يترك المجال مفتوحاً للشائعات والاتهامات وتجارة الذاكرة.
وجاء توقيت نشر المقاطع ليزيد من حساسية القضية، فقد ظهرت التسريبات بعد القبض على أمجد يوسف ونشر اعترافاته، وفي ظل اهتمام متصاعد بمحاكمة عاطف نجيب، ومع عودة أسماء عسكرية وأمنية إلى التداول العام، بينها قائد جيش الإسلام سابقاً، عصام البويضاني بعد أن أفرجت حكومة الإمارات عنه عقب زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ما جعل قسماً من الجمهور يتعامل مع المقاطع كجزء من لحظة أوسع تتداخل فيها المحاسبة مع الخوف من طمس المسؤوليات، ومع انتظار ملفات أخرى قد تكشف تورط أسماء جديدة في منظومة السجون والانتهاكات.
مخاوف وانعدام الثقة
وفي هذا المناخ، انتشرت أخبار كاذبة وتحذيرات من مؤامرة وفتنة، وذهب بعض المستخدمين إلى قراءة التسريبات بوصفها محاولة لتشتيت النقاش عن أمجد يوسف، أو مدخلاً لتوريط أشخاص جدد، أو أداة لإثارة حساسيات اجتماعية وطائفية، وهي قراءات لا تستند بالضرورة إلى أدلة مثبتة، لكنها تكشف حجم انعدام الثقة الذي يرافق كل مادة بصرية تخرج من أرشيف الجرائم.
وتزداد هذه المخاوف مع شعور قسم من السوريين بأن مسار العدالة الانتقالية لا يزال غامضاً وانتقائياً ومفتقراً إلى الشفافية الكافية، إذ لا تكفي الاعتقالات المتفرقة أو الاعترافات المصورة أو التسريبات المتقطعة لبناء ثقة عامة في ملف بهذا الاتساع، لأن العدالة في قضايا السجون تحتاج إلى حفظ الأدلة وربط المسؤولية الفردية بسلسلة القيادة وحماية الشهود والناجين ومنع التحريض، واطلاع الرأي العام على الحدود الواضحة بين التحقيق القضائي والتداول الإعلامي.




