منذ قتلت ٳسرائيل المصور عصام عبدالله مع بدء "حرب الٳسناد"، مروراً بقتل مجموعة من الصحافيين اللبنانيين، وآخرهم الصحافية في جريدة "الأخبار" آمال خليل، يطالب الجسم الإعلامي وعلى رأسه اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، الدولة اللبنانية، بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للتمكن من محاسبة مرتكبي الجرائم بحق 11 صحافيًا قتلتهم إسرائيل باستهداف مباشر خلا العامين الأخيرين.
في الوقفة التضامنية يوم الخميس التي التأمت عقب قتل اسرائيل الصحافية آمال خليل، في ساحة الشهداء في بيروت، حمل الصحافيون المتضامنون لافتات كتب عليها: "أعطوا الصلاحية للمحكمة الجنائية الدولية الآن".
كذلك شدّدت رئيسة الاتحاد الصحافيين في لبنان، ٳلسي مفرج، في كلمتها على ضرورة قبول اختصاص المحكمة في القضايا الجنائية، التي تدخل في ٳطارها حماية الصحافيين والمراسلين الحربيين. وهذا ما أعاد التساؤلات حول فعالية المحكمة، أهميتها ومدى وجود الإرادة السياسية اللبنانية لٳحالة ملف قتل الصحافيين في لبنان ضمن الجرائم المنصوص عليها في ميثاق المحكمة.
لبنان ليس عضواً
لم ينضم لبنان الى المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست في العام 2002 بحسب نظام روما، وهي محكمة متخصصة في القضايا الجنائية المرتبطة بالأفراد، على خلاف محكمة العدل الدولية التي تلاحق الدول على جرائم مرتكبة ضد الانسانية. وفي ظل النزاع المستمر مع ٳسرائيل، وخشية من ٳستغلال المحكمة لتمرير قرارات تتعلق بارتكاب لبنان جرائم ضد إسرائيل، ولو في سياق الدفاع عن النفس، جنّب لبنان نفسه الانضمام الى نظام روما حتى اليوم. ناهيك عن إمكانية أن تفتح المحكمة الجنائية ملفات مرتبطة بحقبة الحرب الأهلية وما تلاها من تفجيرات واغتيالات، مما سبب قلقًا سياسيًا على الصعيد الداخلي، وهذا ما عزز رفض لبنان الانضمام اليها أيضاً.
غياب المشروعية؟
لكن عدم المصادقة على نظام المحكمة، لا يعني غياب الشرعية في المطالبة بتحقيق العدالة في جرائم الحرب. فعدم جواز الدول غير الأطراف في رفع القضية على المحكمة، يستعاض عنه بالاستناد الى الفقرة الثالثة من المادة 12، حيث يُسمح للدولة بقبول اختصاص المحكمة في جزئية محددة وضمن مهلة قضائية محددة. وهذا يعني عدم أحقية المحكمة في التحقيق في الفترة الزمنية التي تسبق هذا التاريخ.
كذلك تنص المادة 12، على أنّه، وفي حال لم تكن الدولة طرفًا في المحكمة، فيجوز لها أن تمنحها الحق في ممارسة اختصاصها في جرائم معينة. فعلى سبيل المثال، يمكن للدولة اللبنانية أن تطلب بالتحقيق في الجرائم المرتكبة منذ الثامن من تشرين الأول 2023 الى اليوم، وتحديدًا في ما يخص الجرائم المتعلقة بالمدنيين، لا سيما أنّ الصحافيين يحملون صفة "مدنيين" وهم مشمولون بالقانون الدولي الإنساني، وبالتالي فإن استهدافهم يعد جريمة حرب تبعًا للمادة الثامنة في ميثاق المحكمة. ويمكن أيضًا أن تقدم الدولة قبولًا محددًا أي ما يختصر الجرائم المرتكبة ضمن تاريخ زمني محدد وليس بالضرورة ضمن فترة ممتدة. ويأتي الخيار الأخير، ليناقض حجة الرفض التي عبّرت عنها أطراف سياسية في لبنان الرافضة لقبول الاختصاص خشية أن يحمل ذلك مفاعيل رجعية تلقائية عائدة لفترات واغتيالات وجرائم سابقة.
ويعلق المحامي فاروق المغربي، الذي عمل على دراسة ومتابعة آلية تقديم الحكومة اللبنانية لٳعلان القبول لقلم المحكمة في لاهاي، قائلاً إن لبنان لن يكون وحده الذي يقبل الاختصاص، مستندًا الى أوكرانيا التي قبلت باختصاص المحكمة حين لم تكن عضوًا في نظام روما، وذلك من أجل التحقيق في الجرائم المرتبكة خلال العام 2014. وأصبحت أوكرانيا، العام الماضي، عضوًا كاملاً، غير أنّ ذلك لا يعني بالضرورة محاسبتها على جرائم سابقة، اذ أن التحقيق والمحاسبة يبدآن من تاريخ الانضمام.
المنظمات ترفع الشكوى
تستقبل المحكمة الجنائية الشكاوى المقدمة من المنظمات المدنية المعنية بحقوق الانسان، بعد قيامها بالتحقيق في هذه الجرائم وإبراز الأدلة. وعلى الرغم من قبول المدعي العام لهذه الشكاوى، ٳلا أن الدول وحدها قادرة على تحريك الدعوى. وهذا ما يفسر صرخات الصحافيين المتتالية لمطالبة للدولة اللبنانية بشكل خاص بالتجاوب مع مطلبهم في قبول اختصاص المحكمة. فٳذا ما تحركت الدولة، التي كانت قد تراجعت في قرارها الصادر في 26 نيسان 2024 بتكليف وزارة الخارجية القبول باختصاص المحكمة في الملاحقة القضائية لكل الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبناني منذ السابع من تشرين الأول 2023، فٳنّ جهود هذه المنظمات تبقى في ٳطار البحث والتوثيق، من دون أن تصل إلى مراحل التحقيق الممنهج بهدف معاقبة مرتكبي هذه الجرائم.
وفي حال لم تقبل الدولة اللبنانيّة باختصاص المحكمة، فٳنّه يمكن لمجلس الأمن إحالة القضية لها، لكن أمام نظام الفيتو والاستقواء الممارس من قبل الدول الأعضاء، يغدو هذا الطرح بعيدًا جدًا من الممارسة. نظريًا، ٳن طرح هذه القضية على مجلس الأمن هو أمر ممكن، لكن عمليًا تغدو ٳحالتها أمرًا معقدًا مع إمكانية أن تقوم الولايات المتحدة باستخدام حق الفيتو لصالح إسرائيل، والأمثلة في هذا المجال كثيرة، وآخرها التعطيل الأميركي المتكرر لوقف إطلاق النار في غزة رغم موافقة غالبية الأعضاء.
العدالة المشروطة بتجاوب الدول
لنفترض أن لبنان قَبِل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، بما يتيح لها التحقيق والملاحقة في الجرائم المرتكبة على أراضيه. في هذه الحالة، وإذا خلصت المحكمة بعد استكمال تحقيقاتها إلى تحديد مسؤولية فرد أو أكثر عن الجرائم المرتكبة بحق الصحافيين، يمكن لها إصدار مذكرات توقيف دولية بحقهم. وتُشكّل هذه المذكرات أداة ضغط دولي، إذ تُقيّد حركة المتهمين وتُلزم الدول الأطراف في نظام روما الأساسي بتوقيفهم في حال زيارتهم أراضيها. غير أن هذه الآلية تصطدم بواقع أن إسرائيل ليست عضوًا في المحكمة، ما يعني أنها غير ملزمة بالتعاون معها، سواء من حيث محاكمة المتهمين داخليًا أو تسليمهم. وحتى الآن، لا مؤشرات واضحة على توجّه إسرائيلي لمحاسبة مرتكبي هذه الجرائم. ومع ذلك، فإن الفائدة القانونية والمعنوية هائلة، ولو مع وقف التنفيذ.
اختبار الجدوى
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد وُضعت أمام اختبار لجدواها ومدى قدرتها على تنفيذ العدالة، بعدما تعرض المدعي العام الخاص بالمحكمة، كريم خان، لحملة تشويه وتحريض وتهديد ٳثر تعبيره عن نيته في ٳصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. وأبرزها تهديد بريطانيا بالانسحاب من المحكمة الجنائية ووقف التمويل في حال صدرت أوامر الاعتقال، نظرًا الى الزامية دول الأعضاء بتطبيق القرارات الصادرة عنها. لكن المحكمة عادت، بغالبية أصوات قضاة الاستئناف فيها، واتخذت قرارها بٳصدار مذكرات التوقيف ضد نتنياهو وغالانت، ورفضت قبول طلبات الطعن المقدمة من إسرائيل.
ليست المحكمة الجنائية الدولية وحدها القادرة على محاسبة المجرمين، لكنها بالطبع تؤسس مساراً قضائياً دولياً، تمهيدياً ومتشابكاً مع محكمة العدل الدولية، بهدف التحقيق في قضايا الإبادة الجماعية وجرائم الحرب. كما تشكل قراراتها ضغطًا على اسرائيل التي أمعنت في تكريس "ثقافة الإفلات من العقاب"، وحاولت بشتى الطرق عرقلة قرارات المحكمة. فالأخيرة لم تعد تكتفي بإنكار استهداف الصحافيين، بل باتت تعلن عن ذلك صراحة، بلا خجل أو مواربة.




