منذ تقديمه نفسه للرئيس دونالد ترامب بأنه ممثل "الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي تتحدّى نفوذ حزب الله"، بات أنطوني مرشاق، مراسل قناة "أم تي في" في البيت الأبيض، شخصية للتندّر بما يتخطى دوره كإعلامي يبحث عن معلومة أو يغطّي حدثاً.
باتت صورته "ستيكر"، تُوزّع غي مجموعات "واتسآب"، كما يتفاعل العشرات في حساباته في مواقع التواصل بضحكة وسخرية.. وهو أمر لم يعهده الإعلام اللبناني على مدى سنوات، بل صنعته شخصية مرشاق الذي يقدم نفسه كناشط ومؤثر في مواقع التواصل الإجتماعي، وداعم لخط سياسي، بما يتخطى كونه مراسلاً في البيت الأبيض. يشارك مرشاق تفاصيل حياته، كمراسل لقناة "أم تي في"، ويقدمها على أنها إنجازات للبنان. يبدو الشاب الطموح، كمن يسعى لكسر رقم وطني في "غينيس"!
إندفاعة مراسل!
يخلط مرشاق بين وظيفته كمراسل للقناة، وبين تسويق نفسه كـ"امتياز" ما كانت القناة لتحظى به لولا وجوده! "أول مراسل"، و"أول قناة لبنانية"، و"القناة اللبنانية الوحيدة"، و"الممثل الوحيد في عشاء مراسلي البيت الأبيض"... أفعال التفضيل والريادة وأسماء الإنجازات، تتصدر كل أفعاله.. علماً أن الشاب المندفع، و"الطحّيش" (كما يُقال باللهجة اللبنانية)، لم يأتِ بتصريح يمثل موقفاً مهماً منذ وصوله الى قاعة مراسلي البيت الأبيض.. ولم يأتِ بمعلومة تؤشر الى تحول أو فعل، من أعظم دائرة قرار على سطح الكرة الأرضية.
قد يكون ذلك مفهوماً، لأن العمل كمراسل في البيت الأبيض، يحتاج الى تجربة وعلاقات وتأثير وفهم لدينامية العمل السياسي في الولايات المتحدة. لكن من غير المفهوم، أنه بعد عامين، يركز مرشاق على ما يتمناه، ويقدم نفسه كبدلوماسي بديل عن الممثل الوطني في واشنطن، أو بديل عن جماعة محلية ينطق باسمها، فيطرح شجون الخط السياسي الذي تتبناه قناة "أم تي في"، ويحاول إغراق أعظم دولة في العالم بزواريبها، في حين لا يمتلك الرئيس الأميركي أدنى تفصيل عنها، وهو ما تؤكده إجابات ترامب على أسئلة يطرحها مرشاق، ليس أقلها عبارة "تهانينا"!
لقاء المكتب البيضاوي
عند كل تغريدة أو منشور، يتفاعل الناشطون في مواقع التواصل مع مرشاق. أخيراً، تحول الى مادة تندر جراء فيديوهاته من القاعة التي تعرض فيها الرئيس ترامب لمحاولة اغتيال. وفي صورة الأسبوع الماضي في المكتب البيضاوي، تعرض لانتقادات واسعة، كونه لم يأخذ في الحسبان "التضامن المهني"، إذ نشر صورة له من داخل المكتب البيضاوي، خلال لقاء جمع وفدًا لبنانيًا بوفد إسرائيلي في البيت الأبيض، بعد ساعات من استشهاد الزميلة آمال خليل، التي أُصيبت في استهداف إسرائيلي، وظلّت جريحة ومحاصَرة لساعات طويلة رغم المناشدات، قبل أن تُفارق الحياة.
ولم يقتصر الجدل على الحضور أو الصورة، بل امتد إلى مضمون ما طُرح خلال اللقاء، فرأى متابعون أن المراسل لم يستثمر المناسبة لطرح قضية اغتيال صحافية لبنانية يفترض أن تحميها القوانين الدولية، أو حتى للتعبير عن موقف إدانة، بل جاء حديثه في اتجاه مغاير تمامًا. فقد توجّه مرشاق إلى الرئيس ترامب قائلاً: "في القانون اللبناني، ممنوع علينا التواصل مع إسرائيليّين"، متسائلًا عمّا يمكن فعله حيال هذا القانون، وهو ما فسّره كثيرون على أنه استنجاد بترامب للتدخّل من أجل إلغاء هذا القانون. في المقابل، جاء ردّ ترامب بأنه لم يكن على علم بذلك، معتبرًا أنه "قد يكون من الضروري إنهاء هذا الأمر"، ومشيرًا إلى إمكانية حصول ذلك بسرعة.
هواجس المسيحيين
وليست هذه المرة الأولى التي يواجه فيها المراسل موجة انتقادات، تصل أحيانًا إلى حدّ التنمّر، على خلفية مواقف وتصرفات يعتبرها منتقدوه أقرب إلى أداء سياسي، وأحياناً هزلي، منها إلى عمل صحافي. ففي مناسبة سابقة، قال مرشاق خلال توجيه سؤال إلى ترامب، أن يتعرّض لبنان للهجوم، و"حزب الله" يعرّض أرواح المسيحيين للخطر، فما هي رسالتكم؟، فردّ ترامب: "نحن نحبّ لبنان ونحبّ الشعب اللبناني، ونعمل بجدّ كبير. يجب أن نتخلّص من الحزب، لقد كان ذلك كارثة لسنوات طويلة".
صديق ترامب؟
ويظهر مرشاق، من خلال إطلالاته، لا سيما عبر حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، بصورة توحي وكأنه على علاقة ودّ وصداقة مع الرئيس الأميركي، وهو انطباع يتكوّن لدى كثير من المتابعين. ويذهب البعض أبعد من ذلك، معتبرين أن هذا الانطباع قد ينعكس أيضًا على المؤسسة التي يعمل بها. كما يُوجَّه إليه نقد متكرر بأنه يسعى إلى إبراز حضوره وإنجازاته بشكل لافت. فعقب حضوره الأخير في البيت الأبيض، استخدم في حسابه في "إنستغرام" تعبير "المحطة اللبنانية الوحيدة في البيت الأبيض"، وسبق أن كرّر العبارة نفسها في مناسبة أخرى.
وفي صورة أخرى يظهر فيها صحافيون مجتمعون حول ترامب، أرفقها بتعليق يسأل فيه متابعيه: "أين أنا في هذه الصورة أمام ترامب؟". وهي أمثلة تتعدّد وتندرج في السياق نفسه، لا سيما مع عمله من واشنطن التي تُعدّ مركزًا للنفوذ والقوة على مستوى العالم.
تطبيل للزعيم
وفي ما يتصل بمسألة إظهار القرب أو "التطبيل" للزعيم أو الرئيس، وهو سلوك يظهر في تعاطيه مع الرئيس الأميركي من خلال تعليقاته وتصريحاته ومداخلاته، فهي ظاهرة قد تكون مألوفة في مجتمعاتنا (الصحافي الذي يطبّل للزعيم)، وليست مستغربة في السياق الإعلامي المحلي، إذ تُسجَّل نماذج عديدة لصحافيين وإعلاميين يُؤخذ عليهم هذا الدور.
إلا أن هذا النمط يبقى غير مألوف في المجتمع الأميركي، ولا ينسجم مع أدبيات الصحافة فيه، وكذلك في أوروبا، إذ ترتكز هذه الأدبيات على جملة من الضوابط المهنية، من بينها تجنّب إظهار أي علاقة شخصية مع المسؤولين، والحذر من تقديم تغطية قد تُفسَّر على أنها منحازة أو ترويجية، فضلًا عن الالتزام بلغة مهنية محايدة في التعاطي مع الشأن العام. وعلى ذلك، يعتبر بعض المنتقدين أن أداء مرشاق يبتعد عن هذه المعايير المهنية المتعارف عليها. وإن كان معجباً بترامب إلى هذا الحد، ومفتوناً به على غرار ما يهوى المرء مغنياً أو ممثلة، فربما عليه تعليق صورته في بيته، لا مشكلة. لكن عمل المراسل شيء آخر تماماً.




