لماذا يعبُر مستوطنون إسرائيليون الحدود إلى لبنان؟

أدهم مناصرةالجمعة 2026/04/24
Image-1777020255
مستوطنون إسرائيليون في جنوب لبنان (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يصر ناشطو حركة "عوري هتسفون" (نور الشمال) الاستيطانية على استغلال احتلال الجيش الإسرائيلي لمزيد من الأراضي في جنوب لبنان، لتكثيف اختراق الحدود، وتصعيد دعواتهم للحكومة الإسرائيلية للشروع في الاستيطان، بدعوى أنه "حق تاريخي" والوسيلة الأمثل لتكريس "الأمن الدائم في الشمال".

 

وفي الأيام الأخيرة، تحديداً في "يوم استقلال إسرائيل"، أي ذكرى إنشائها قبل 78 عاماً، اقتحم عدد من ناشطي المجموعة الاستيطانية الأراضي اللبنانية من جديد، قبل أن تقوم القوات الإسرائيلية باعتقالهم وإعادتهم إلى الجانب الآخر للحدود، بدعوى أن تسللهم إلى لبنان الذي يشهد عمليات عسكرية، يعرض هؤلاء المستوطنين والجنود المتوغلين في عمق لبنان للخطر، لا أكثر.

 

وهنا نشرت منصات للمستوطنين في "تيلغرام" ومواقع التواصل، فيديوهات توثق اقتحام مستوطنين للبنان، الأربعاء، وظهر في أحدها مستوطن وهو يسير في أراض لبنانية بجانب الحدود، معتبراً أن ذكرى "يوم استقلال إسرائيل" مناسبة لعيش اليهود "استقلالاً حقيقياً"، في إشارة إلى تكريس احتلال جنوب لبنان وإقامة مستوطنات فيه، وقال المستوطن: "إننا نأتي إلى هنا، إلى لبنان في يوم الاستقلال، لنعيش استقلالاً حقيقياً. وهذا هو الاستقلال الأكبر، أن نعمر الأرض وأن نكون فيها ونتجول فيها ونظهر السيادة".

 

وفي سياق تبريره الأمني لتسريع إنشاء مستوطنات بلبنان، اعتبر المستوطن أن فرض السيادة الإسرائيلية على جنوب لبنان، هي "الوصفة الوحيدة" لعدم "عودة الدوامة الأمنية من جديد"، وبالتالي ينظر القائمون على دعوات الاستيطان هذه، بأن تحقيق الحكومة الإسرائيلية لمطلبهم، هو الضامن لحسم أمر لبنان وعدم تكرار التهديدات ضد إسرائيل، مضيفاً أن هدفهم هو "أن نؤدي الوصية، كي لا يموت المزيد من الجنود، فالأمر ليس سهلاً مع كل القتلى. ونحن نريد أن نستوطن أرض إسرائيل".

 وظهر مستوطن آخر من المجموعة الاستيطانية نفسها، مشيراً إلى أنهم اقتحموا جنوب لبنان بمناسبة "يوم الاستقلال" للمطالبة بإقامة استيطان يهودي فيه. وأشار المستوطن المتحدث في الفيديو إلى السياج القائم قرب الحدود، وبيوت اللبنانيين التي دمرها الجيش الإسرائيلي، وكأن ذلك فرصة لتغيير الحدود ودعوة الحكومة الإسرائيلية إلى الاستيطان بجنوب لبنان في "أسرع وقت ممكن".

وأعاد المراسل العسكري لقناة "كان" الإسرائيلية، إيتاي بلومنتال، نشر الفيديوهات، معبراً عن انتقاده لممارسات أولئك "الناشطين اليمينيين المتطرفين" في لبنان، وأكمل "نعيش في واقع سوريالي، حيث لا قانون ولا قضاء، ويفعل هؤلاء ما يرونه مناسباً"، وبين بلومنتال أن هؤلاء المستوطنين يطالبون بإقامة مستوطنة في لبنان ورسم خط حدودي جديد.

 

والحال أن ما عبّر عنه بلومنتال يعكس موقفاً لبعض الفئات الإسرائيلية، ليس انطلاقاً من موقف مبدئي برفض الاستيطان، بقدر ما هو تعبير عن الغضب من مجموعات استيطانية آيدولوجية، تتصرف بمنطق أنها فوق القانون، إضافة إلى أنهم يعرضون بممارساتهم القوات الإسرائيلية، للخطر. وثمة دافع آخر لغضب بلومنتال، يرتبط بمخاوف تراود بعض الأطياف الإسرائيلية، من انقلاب تمرد المستوطنين إلى "خطر على إسرائيل"، أي أن تفقد الدولة السيطرة عليهم في المسقبل.

 

أما الرواية الرسمية الإسرائيلية عن الموضوع، فتمثلت في أن عدداً من الإسرائيليين تمكنوا من عبور الحدود والتقدم مئات الأمتار داخل الأراضي اللبنانية، قبل "اعتقال هؤلاء الناشطين اليمينيين ونقلهم إلى عهدة الشرطة"، علماً أن هذه الاقتحامات ليست الأولى من نوعها، بل ينفذ المستوطنون ضمن المجموعة اليمينية المتطرفة أفعالاً مماثلة من حين إلى آخر خلال الأشهر الماضية، رافعين علم إسرائيل ولافتات تطالب الحكومة الإسرائيلية بعدم التردد، وأن تدعم إقامة مستوطنة هناك بأسرع وقت، تحت عنوان "الفرصة حانت.. ويجب التنفيذ فوراً".

 

إلى ذلك، نشرت "هيئة البث الإسرائيلية" صوراً لأفراد من حركة "رواد الباشان" الاستيطانية وهم يعتلون منزلاً في قرية حضر السورية ملوحين بعلم إسرائيل، حيث تحصنوا في مبان تبعد مسافة تقدر بنحو 500 متر من السياج الحدودي، وسط هتافات بإقامة مستوطنة جنوبي سوريا، قبل أن تعتقلهم القوات الإسرائيلية وتسلمهم للشرطة للتعامل معهم. 

 

ووجه بلومنتال نقداً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قائلاً: "رغم أن ذلك يعد انتهاكاً للقانون وعرقلة لقوات الجيش في حماية مرتفعات الجولان، لم نسمح أي إدانة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس"، في إشارة ضمنية إلى تغطية سياسية خفية لاقتحامات المستوطنين، سواء في لبنان أو سوريا.

 

ويبدو أن المستوطنين يوزعون الأدوار في ما بينهم عبر مسميات مختلفة، فتبرز مجموعة "رواد الباشان" كداعية للاستيطان في سوريا، بينما تتولى مجموعة "عوري هتسفون" المطالبة بإقامة مستوطنات بجنوب لبنان، لكن المرجعية الأيديولوجية والتنظيمية لكل هذه الأنشطة الاستيطانية العابرة للحدود المستجدة، تبدو واحدة وتحت غطاء سياسي معين.

 وعلق المتخصص في الشأن الإسرائيلي محمد أبو علان في حديث مع "المدن" بأن المستوطنين أسوة بما يفعلون في الضفة الغربية، "باتوا الآن أداة لفرض وقائع جديدة في لبنان وسوريا، حيث تقوم خطتهم على 3 مراحل متدرجة، هي اقتحامات متكررة ثم إقامة بؤر استيطانية عشوائية وغير قانونية، ومن ثم تحويلها لاحقاً إلى مستوطنات ثابتة مشرعنة رسمياً من الحكومة الإسرائيلية". 

 

وأوضح أبو علان أن هؤلاء المستوطنين لا يكتفون فقط بإقامة مستوطنات في لبنان وسوريا، بل بالدعوة لتعديل الحدود ، وهو ما عكسته مواقف لشخصيات سياسية إسرائيلية، شددت على أنه "لن تتم العودة" لما قبل سقوط نظام الأسد بسوريا. كما لم يخف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، المعروف بلقب "وزير المستوطنين"، ما يخططون له، بقوله أن إسرائيل بحاجة إلى "حدود أوسع وقابلة للدفاع" في كل من غزة ولبنان وسوريا.

 

ورأى أبو علان أن اقتحامات المستوطنين لعمق لبنان وسوريا، ودعوتهم للاستيطان فيهما وتغيير الحدود، لا تحمل فقط نزعة استيطانية بل تندرج كذلك في سياق استخلاص ما تسميها جهات إسرائيلية "العبرة" من هجوم 7 تشرين أول/أكتوبر 2023، ما بدا دافعاً مركباً لتنفيذ المستوطنين اقتحامات متكررة لأراض بالمنطقة العازلة، وبما يتناغم مع نظرية "سموتريتش- بن غفير"، القائلة "أينما يوجد مستوطنون.. يوجد أمن وأمان"، ما يعني أنه لا يمكن النظر إلى اقتحامات المستوطنين لجنوب لبنان وسوريا، على أساس أنها أحداث استثنائية وعابرة من قبل "متمردين"، بقدر ما أنها تحرك وتوجه من أقطاب اليمين الحاكم، لكون المستوطنين باتوا ذراعاً ومكوناً رئيسياً لإسرائيل بهدف تحقيق التوسع في الإقليم كله.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث