على وقع الزغاريد والهتافات الوطنية، شيّعت بلدة البيسارية الجنوبية ابنتها الصحافية آمال خليل، التي قضت إثر استهداف إسرائيلي طاول بلدة الطيري الجنوبية. لم يكن المشهد جنائزياً عادياً، بل بدا أقرب إلى تظاهرة حبّ ووفاء لصحافية جمعت، في حياتها كما في رحيلها، زملاءها وأبناء بلدتها في لحظة تختلط فيها الدموع بالفخر، ويختلط فيها الخاص بالعام، والإنساني بالمهني.
بالعلَم اللبناني والتابوت الأبيض، سارت آمال إلى مثواها الأخير. غصّت الطرق المؤدية إلى جبانة البلدة بالمشيّعين الذين اتشحوا بالسواد، ومشوا على الأقدام في وداع أخير لزميلة لم تغب يوماً عن الميدان. نساء يزغردن رغم الفاجعة، رجال يجهشون بالبكاء، وأصدقاء يروون حكايات صغيرة عنها كأنهم يتمسكون بما تبقى منها. هناك، حيث انتهت رحلتها، بدت آمال كأنها ما زالت تجمع الناس حولها. أصدقاء، زملاء، وأهالٍ يعرفونها عن قرب. حتى تفاصيلها اليومية حضرت في الوداع، إذ يقول جيرانها إن قطط البلدة التي كانت تطعمها يومياً ستفتقدها، كما سيفتقدها كل مَن عرفها من قرب.
علاقة يومية
لم تكن آمال خليل مجرد اسم في نشرة أخبار أو توقيع على تقرير ميداني. كانت جزءاً من يوميات زملائها، من تفاصيل حياتهم الصغيرة، ومن قلقهم المشترك في الميدان. مصوّر وكالة "فرانس برس" كونت حاجو، الذي رافقها في تغطيات عديدة، يختصر العلاقة بكلمات متعثرة: "مهما حكينا عن آمال وعن الزملاء الذين رحلوا، قليل". بالنسبة إليه، لم تكن زمالة عمل تقليدية، بل علاقة يومية قائمة على المشاركة في الخطر والقلق والانتظار. "كنا نلتقي كل يوم تقريباً، وإذا لم نلتقِ، نسأل عن بعضنا البعض"، يقول، مستعيداً تلك اللحظات التي كانت فيها آمال تبادر إلى الاتصال، حتى في قلب القصف، لتطمئن على الآخرين.
يروي حاجو كيف كانت، رغم الخطر، تحاول تهدئة من حولها، وتخفيف التوتر الذي يرافق العمل في مناطق الاستهداف. "كانت تضحك، تهدّي، وتقول ما في شي"، يضيف، في إشارة إلى تلك القدرة النادرة على الجمع بين الشجاعة والإنسانية. بالنسبة إليه، كانت آمال "صحافية جدية، شجاعة، وإنسانة خلوقة"، لكن الأهم أنها كانت "أختاً" في الميدان، وهو توصيف يتكرر على ألسنة كل من عرفها.
جزء من الحياة اليومية
هذا البعد الإنساني يظهر أكثر في شهادة مراسل "الجديد" إبراهيم ضاوي، الذي يتحدث عنها كجزء من حياته اليومية، لا كزميلة فقط. "كانت أختاً وأمّاً"، يقول، قبل أن يغوص في تفاصيل يومه الأخير معها. دعته إلى الغداء، كما كانت تفعل دائماً، مُصرّة على رؤيته رغم انشغاله. "قالت لي تعا، عاملينلك تبولة"، يروي، مستعيداً لحظة عادية تحولت إلى ذكرى أخيرة.
لم يكن يدرك أن تلك الدعوة تحمل شيئاً من الوداع. "كأن قلبها كان حاسس"، يقول، مسترجعاً مكالماتها التي لم تنقطع حتى صباح يوم استشهادها. اتصلت به صباحاً، لم يرد، ثم عاودت الاتصال لاحقاً لتسأله عن عمله وخطته للتغطية. تفاصيل صغيرة، لكنها اليوم تحمل ثقل الفقد. "صوّرتنا صورة سوا قبل ما فلّ"، يضيف، قبل أن يصمت قليلاً، وكأنه يحاول استيعاب أن تلك الصورة كانت الأخيرة.
هذا الامتداد الإنساني لآمال يتقاطع مع مهنيتها العالية. فهي، بحسب زملائها، لم تكن تبحث عن "سبق" إعلامي على حساب سلامتها، بل كانت تدرك تماماً معنى التغطية في مناطق النزاع، وتصرّ على نقل الصورة كما هي، بلا مبالغة أو استعراض. كانت تعرف أن وجودها في الميدان ليس مجرد وظيفة، بل مسؤولية، وربما أيضاً قدر.
قتل غير مباشر
لكن هذا القدر، كما تشير الصحافية والباحثة في مؤسسة سمير قصير، وداد جربوع، لم يكن معزولاً عن سياق أوسع. ما حصل مع آمال، بحسب جربوع، هو جزء من نمط متكرر من استهداف الصحافيين، "رأيناه في غزة ونعرف تفاصيله جيداً". وتوضح أن الجريمة لم تقتصر على استهداف المبنى الذي كانت تتواجد فيه، بل ترافقت مع منع وصول الإسعاف، وإطلاق النار على كل من حاول الاقتراب، ما أدى إلى تركها لساعات تحت الأنقاض.
هذا النمط، الذي تصفه، إضافة إلى القتل، بـ"القتل غير المباشر"، يعكس، برأيها، سياسة واضحة تستهدف ليس فقط الصحافيين كأفراد، بل دورهم كناقلين للحقيقة. وتضيف أن آمال كانت قد تلقت سابقاً تهديدات مباشرة بسبب عملها، وصلت إلى حد التهديد بالقتل، ما يجعل ما حصل "تنفيذاً فعلياً لهذه التهديدات".
انتهاك للقانون الدولي
في هذا السياق، تشدد جربوع على أن استهداف الصحافيين في النزاعات المسلحة يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، الذي يمنحهم صفة مدنيين. وبالتالي، فإن أي استهداف متعمد لهم لا يُعتبر فقط جريمة بحق أفراد، بل اعتداء على حرية الإعلام وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. "حين يُقتل الصحافي، لا تُقتل قصة فقط، بل يُحرم الناس من معرفة الحقيقة"، تقول.
وتدعو إلى ضرورة اتخاذ خطوات عملية تتجاوز بيانات الإدانة، عبر سنّ تشريعات تجرّم جرائم الحرب بشكل واضح، والعمل على تفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المسؤولين. فبرأيها، لا يمكن فصل العدالة عن المساءلة، ولا يمكن أن تبقى هذه الجرائم بلا عقاب، خصوصاً في ظل التوثيق المستمر لها في لبنان خلال السنوات الماضية.
سردية الصحافيين
رحلت آمال خليل، لكن حضورها لا ينحصر في مشهد التشييع أو في شهادات زملائها. هي جزء من سردية أكبر، سردية صحافيين يعملون في ظروف بالغة الخطورة، يدفعون أثماناً شخصية ومهنية لنقل ما يحدث. في البيسارية، لم يكن الوداع نهاية، بل بداية لسؤال أكبر عن معنى أن تكون صحافياً في زمن الحرب، وعن الكلفة التي تُدفع مقابل الحقيقة.
في وداعها، لم تكن البلدة تودّع ابنتها فحسب، بل ودّعت صوتاً من أصواتها. وبين الزغاريد والدموع، وبين القصص الصغيرة التي رواها الأصدقاء، تبقى آمال حاضرة كصحافية عاشت كما كتبت: في قلب الحدث، ومن أجل الناس. ويبقى السؤال مفتوحاً، كما في كل مرة: كم من الدم يجب أن يُسفك بعد، قبل أن تصبح حماية الصحافيين التزاماً فعلياً لا مجرد نصوص؟




