أثار منشور للمحامية فتون طراب، التي تعمل في الفرع النقابي في حلب، غضباً واسعاً بعدما تضمّن إساءة مباشرة إلى النازحين، قبل أن يتسع الجدل من حدود الإدانة الأخلاقية إلى نقاش حول المساءلة وحدود ما يمكن احتماله في الفضاء العام.
وتداول سوريون على نطاق واسع صورة لمنشور نُسب إلى المحامية طراب، نشر في خاصية "الستوري"، جاء فيه: "بدكن تعرفوا وين كنا من 14 سنة.... كنا ببيوتنا قاعدين بشرفنا مو بمخيمات الأتراك يلي انتهكت أعراضكن"، وهي عبارة اعتُبرت في نظر كثيرين إهانة لفظية فادحة واتهاماً مباشراً بالمساس بالشرف والأعراض بحق فئة من السوريين لم تصل إلى المخيمات بإرادتها، وإنما دفعتها إليها سنوات القصف والتدمير والتهجير، بعدما خسرت بيوتها ومدنها وقراها، وعاشت في ظروف قاسية امتدت في حالات كثيرة بين سبع وتسع سنوات.
إهانة مباشرة
وجاء وقع المنشور مضاعفاً لأن عبارة "وين كنتوا من 14 سنة" ليست جديدة في السجال السوري، إذ تتكرر كثيراً في مواجهة من أيدوا نظام الأسد، أو صمتوا طوال سنوات القمع، ثم عادوا بعد سقوطه إلى الحديث عن الحريات وحقوق الناس. وفي هذا السياق، بدا أن طراب تعاملت مع العبارة بوصفها استفزازاً مباشراً، فردت بمنشور حمل إهانة واضحة للنازحين وسكان المخيمات، وهو ما فتح باب غضب واسع في وسائل التواصل، لأن الكلام فُسر احتقاراً اجتماعياً وأخلاقياً موجهاً إلى أشخاص دفعوا أثمان الحرب بأجسادهم وبيوتهم وأعمارهم.
رواية سرقة الهاتف
ومع اتساع تداول صورة المنشور، وظهور اسمها على نطاق واسع في التعليقات والمنشورات، عادت طراب في منشور لاحق لتقول إن هاتفها سرق، محاولة بذلك نفي مسؤوليتها عن الكلام المتداول. غير أن هذا التبرير لم يلقَ تصديقاً واسعاً، خصوصاً أنه لم يتضمن أي اعتذار واضح للنازحين أو أي مراجعة صريحة لمضمون الإهانة نفسها، بل اقتصر على رواية السرقة، وهو ما دفع كثيرين إلى التعامل معه بوصفه محاولة متأخرة وغير مقنعة للتنصل من تبعات منشور أثار غضباً عاماً.
تفنيدات تقنية
وساهمت هذه الرواية في مفاقمة الاستياء بدلاً من احتوائه، إذ تداول مستخدمون منشورات حاولت تفنيدها من زاوية تقنية، متسائلة عن كيفية تفعيل "واتساب" ونشر "حالة" من الرقم نفسه في ظل رواية تقول إن الهاتف سُرق والشريحة سُحبت، فيما ذهب آخرون أبعد من ذلك، فهاجموا طراب بعنف، ونشر بعضهم معلومات عن خلفيتها العائلية والمهنية، في موجة خرجت أحياناً من نقد المنشور إلى التشهير الشخصي والشتائم. ومع ذلك، بقي جوهر الغضب متركزاً على المنشور الأول نفسه، وعلى ما انطوى عليه من استباحة لفظية لأعراض النازحين، أكثر من انشغاله بالسجال اللاحق.
من الجدل الرقمي إلى العقوبة المهنية
وبعد وصول القضية إلى نقابة المحامين، صدر القرار الذي قضى بشطبها حكماً ومنعها من مزاولة المهنة، استناداً إلى ما ورد فيه من مخالفات تتصل بالإساءة إلى الآداب العامة، والخروج عن مبادئ المهنة، والإضرار بسمعة النقابة، إلى جانب اتهامها بالتحريض وإثارة الفتن السياسية، واتخاذ موقف معادٍ للثورة ومؤيد لجرائم النظام السابق، كما نص القرار على شطب اسمها نهائياً من جدول المحامين، وإلزامها بتسليم البطاقة النقابية والشعارات، وإيقافها عن مزاولة المهنة فوراً، وتشكيل لجنة لاستلام مكتبها أصولاً.
ويعكس نص القرار تداخلاً واضحاً بين التوصيفات المهنية والسياسية، وهو أمر بات مألوفاً في السياق السوري الحالي حيث تتقاطع المعايير النقابية مع الاصطفافات العامة. كذلك لا يتضمن القرار تفاصيل دقيقة عن المحتوى الكامل للمنشورات محل الاعتراض، بل يكتفي بوصفها العام، كما لا يورد أي رد أو دفاع من فتون طراب، ما يجعل الرواية الواردة فيه رواية النقابة وحدها.
مساءلة ومراقبة وسائل التواصل
وفي مقابل الترحيب الواسع بالقرار، رأى البعض أنه شديد القسوة، وحاول نقل النقاش إلى زاوية أخرى تتعلق برقابة وسائل التواصل، معتبراً أن فصل محامية بسبب منشور يدخل في باب المراقبة والتشدد.
إلا أن هذا الطرح قوبل برد واضح من آخرين قالوا إن الوزارات والنقابات والمديريات نفسها تتفاعل يومياً مع ما يكتبه الناس في وسائل التواصل حين يتعلق الأمر بشكوى خدمية أو مطلب معيشي أو قضية عامة، ولا يوصف ذلك عندها بأنه مراقبة أو تعدٍّ على الحريات، بل يُستقبل غالباً بوصفه استجابة لهموم الناس، ولذلك بدا في نظرهم أن الاحتجاج على "المراقبة" يظهر فقط عندما تنتهي المتابعة إلى محاسبة صاحبة منشور مسيء.
السلم الأهلي لتخفيف وقع الإهانة
وذهب معلقون غاضبون إلى مستوى أبعد في قراءة ما جرى، إذ ربطوا بين الدعوات إلى التسامح وبين الاستخدام المتكرر لعبارة "السلم الأهلي" كلما انفجر سجال أخلاقي أو اجتماعي حاد، معتبرين أن هذه العبارة تُستدعى في كثير من الأحيان لتخفيف وقع الإساءة والالتفاف على مطلب المساءلة. وبالنسبة إلى هؤلاء، يفقد الحديث عن سلم أهلي متماسك معناه حين تبقى الإهانات الموجهة إلى ضحايا الحرب من دون ردع واضح، وحين يُطلب من الناس التزام التهدئة كلما تعرضت كرامتهم أو ذاكرتهم أو آلامهم للإهانة، في وقت يبقى فيه المسيئون داخل مساحة واسعة من الإفلات المعنوي.




