انقلبت كل الجرائد والمجلات التي حاولتُ قراءة كلماتها الغريبة في مَهجَري البعيد، لتصبح مجرد خلفيةٍ باهتةٍ لذلك الاسم الذي ظهر مثل تطريز أحمر لامع؛ الاسم الذي عرفته قبل أن أتعلم القراءة: "بوردا". مجلة أمي.
دارت عجلة الزمن للوراء عقوداً، حين كنتُ أفترش الأرض، ألاحق خطوط "الباترون": المنقطة، المتقطعة، أو المستمرة، الحمراء منها والخضراء. كنتُ ألتف معها وأنثني بجسدي الصغير، وهناك كانت أمي تجلس، صامتةً منهمكةً خلف ماكينة الخياطة، حيث تتحول الأقمشة والخيوط بين يديها إلى ثيابٍ لا تشبه سواها.
تشدني نداءات أولادي إلى قسم الملابس، تزعجني الموسيقى الصاخبة، وتؤلمني قدماي في انتظار اختيارهم ثياباً من بين الكثرة المعلّقة والمطوية على الرفوف، ثيابٍ جاهزة تبدو لي بلا روح، باردة ولا حكاية لها، بينما كنا نختار تصاميم ثيابنا في دقائق من مجلة "بوردا"، أو ترسمه أمي في خيالها. أجلس لأرتاح، تمر في خاطري الأكمام الزهرية، والجيب الأزرق لقميصي، واللمعان على خصر بنطلوني الرمادي، وتلك التنورة والبلوزة المنقوشة بألوان الربيع التي اخترتُ قماشها بنفسي، وما زالت ابنتي تحتفظ بها وترتديها حتى اليوم.
كانت أمي تبسط القماش تحت القدم المعدنية الصغيرة، تسحب طرف الخيط، ثم تخفض القدم. بيدها اليسرى تمهد القماش، وباليمنى تضبط الحافة. تضغط على دواسة القدم بخفة، فتدور العجلة ومعها الحبال، تنقل الدوران إلى الأعلى، ثم ينتظم الإيقاع. تهبط الإبرة وتعلو بسرعة ثابتة، تخترق القماش ماضيةً إلى الأسفل، حيث تتشكل الغرزة. بعدها تبدأ بحَبك أطراف القماش بيديها أيامًا كي لا تنسل خيوطه؛ ذلك القماش الذي كان يتحول بين أصابعها الواثقة إلى حكايا ممتدة منذ طفولتها.
إبَر من عظام، وقطعٌ من الجلد جمعتها الأيدي البشرية قديماً لتنجو. كانت هذه بداية رحلة طويلة، من نجاةٍ بدائية إلى حرفةٍ تمنح الجمال والبهاء والسحر. ولعل خياطة الأمهات للأبناء ما زالت تحمل في طياتها سر تلك البدايات. لنا وحدنا كانت أمي تصنع الثياب، وهنا سحر ما فعلته. فالثوب قد لا يغير العالم، لكنه يحمي أجسادنا الهشة، ويحفظنا من التمزق، أو لعل هذا ما تظنه الأمهات!
يسحبنا الدرج الكهربائي إلى الأسفل، ويشد آخرين إلى الأعلى. يقطع الباب الدوار تيار الهواء البارد خلفنا. ربما لا نرى تلك الخيوط التي تربطنا بأمهاتنا، خيوطٌ نشدها وتشدنا، لكنها تظل هناك. نراها ندوباً في أجسادنا باقية من أثر آلامِنا الأولى، ونلمحها في ظلالنا صباحًا، وفي ذوقنا ونحن نختار ملابسنا، وفي تلك الخطوط المشدودة التي تفاجئنا صباحاً في المرايا.
يضيء اللون الأخضر فيقطع المشاةُ الممرَّ ذهاباً وإياباً. تسير كل الأمور هنا بنظام مذهل. هكذا كانت أمي تضبط إيقاع حياتنا بدقة بالغة، وكما كانت تخيط بإتقان ودقة وإخلاص، كانت تفعل كل شيء، في المدرسة وفي البيت، وفي كل ما تلمسه يداها. الطعام الجاهز صباح العيد، والملابس المجهزة بعناية، والأعمال المنزلية المكتملة. أتساءل الآن، حين تفلت مني زمام الأمور كغُرزٍ مرتخية: كيف كانت تضبط كل تلك الخيوط معاً من دون أن ينقطع أحدها؟!
تمسك ابنتي الإبرة كخيّاطة محترفة، تخيط ألعابها بدقة. يصلح أولادي كل ما يتمزق ويجمّلون كل ما يلمسونه. لقد تحولت تلك المهارة التي كانت يومًا دلالةً لخضوع الأنثى وصبرها واهتمامها، لدى كثيرين، رجالاً ونساء، إلى موهبةٍ وشغفٍ وفنّ.
وحدهن الأمهات يعرفن أولادهن كما يعرفن لوحة التطريز مقلوبة: خيوط متشابكة، عُقَد، وفوضى لا يراها أحد. ومع هذا، وحدهن يحببنهم؛ فتلك لوحاتهن، وهنّ الآلهة التي تغزل خيوط المصائر الأولى في الخفاء. خيوطٌ، بقدر خفائها، تكون عَظَمة أثرها.
غرزٌ مخفية لإصلاح عصب يدها المشدود، جعلت أمي تتوقف عن الخياطة منذ زمن طويل، وأضحت ماكينة الخياطة قطعة أثاث قديمة، يخبو داخلها صندوق حكايات. صندوق كنا نمضي ساعات، نلعب بمحتوياته: الدولاب البني، عجلة القدم، قصاقيص الأقمشة، والأزرار الملونة ما ملَلتُ تحويلها لخواتم. شريط القياس الذي يفوقني عمراً الآن، والكشتبانات الفضية التي كانت تسقط من أصابعي مهما حاولت ارتداءها، والدبابيس المغروزة في إسفنجة عتيقة.
لم تحصل أمي على مجلة "بوردا" منذ بداية الحرب، لذا أرسلتُ لها قبل أيام رابط المجلة في نسختها الرقمية.
أراقب السماء قبيل الغروب من النافذة، وقد بدأت تتخلى عن غموضها شيئاً فشيئاً، تلوّن ملابس الناس وتخفف ثقلها، وتمنح الأشياء حولنا حواف واضحة. أدفع الخيط في خرم الإبرة، لأقصّر بنطلون ابني بضعة سنتيمترات. ورغم بساطة ما أقوم به، إلا أنه يحتاج إلى دقة وصبر وإخلاص. وعندما أنتهي، أسحب الخيط، فتتحول الخيوط كلها غُرزاً مخفية لا يراها أحد. لكنها هناك.. لا بد لها أن تكون.




