مسلسل "مولانا": أزمة الإسقاطات السورية

نور عويتيالأحد 2026/04/19
Image-1772010785
تيم حسن في مسلسل "مولانا" (سوشيال ميديا)
حجم الخط
مشاركة عبر

شكّل مسلسل "مولانا" لحظة مفصلية في مسار سياسي واجتماعي ودرامي، بطله تيم حسن، بوصفه أول مسلسل يُنجز بالكامل بعد التحولات السياسية الكبرى في سوريا. لحظة كان يُفترض أن تحمل إعادة تعريف للنجم، لكنها جاءت محمّلة بأسئلة أكثر من الإجابات.

على امتداد أكثر من عقد، شكّلت الشراكة بين تيم حسن والمخرج سامر البرقاوي واحدة من أنجح الثنائيات الفنية جماهيرياً في الدراما العربية. سلسلة أعمال طويلة حققت حضوراً واسعاً. لكن إذا كان لابد من اختزال هذه التجربة في عملين تركا الأثر الأكبر جماهيرياً، فهما بلا شك "الهيبة" و"مولانا". الأول اشتغل على ضيعة حدودية بين سوريا ولبنان، مع إسقاطات بدت في لحظات معيّنة قريبة من صورة نظام الأسد. 

أما "مولانا"، الذي تدور أحداثه على الضفة الثانية من الحدود السورية اللبنانية، فهو مسلسل بدت إسقاطاته أوضح على حكاية سلطة من نوع آخر: سلطة دينية/رمزية تتشكّل داخل فضاء مغلق، وتحاول أن تعيد إنتاج نموذج قيادي جديد، يمكن بسهولة قراءة إسقاطاته.

 

من الهروب إلى الولاية

ينطلق "مولانا" من نقطة قاتمة: رجل هارب، مدفوع برغبة النجاة لا أكثر، يجد نفسه فجأة في موقع لا يشبهه؛ جابر، أو "سليم العادل" المزيّف، ليس مشروع قائد، هو سجين سابق، مثقل برغبة انتقام شخصية، ارتكب جريمة يمكن تبريرها أخلاقياً ضمن سياقها، لكنه لم يكن يسعى إلى أكثر من الهروب.

كل ما يحدث لاحقاً يبدو، في ظاهره، محكوماً بالصدفة: حادثة على الطريق تسبب بها حمار، موت "سليم العادل" الحقيقي، انتحال الهوية، والوصول إلى قرية حدودية معزولة لا تعرف شكل صاحب الاسم الحقيقي.

لكن المسلسل يشتغل بذكاء على تحويل هذه الصدفة إلى مسار، يتدرّج فيه جابر من شخص متردد، إلى شخص يتقمّص الدور، ثم إلى شخص يصدّق أنه خُلق لهذا الدور.

هنا تحديداً، يقدّم تيم حسن واحداً من أكثر أدواره اشتغالاً على التفاصيل: من الثيمة اللغوية، باللعب على حرف الجيم وتحويله إلى الزين، إلى الكاريزما الخطابية التي بدأت ارتجالية، إلى القدرة على صناعة حضور ديني/رمزي مقنع، وانتهاءً بالليمونة التي لا تفارقه. الشخصية في بداياتها كانت متوهّجة وجذابة ومليئة بالاحتمالات.

مشاهد الصلاة، الارتجال في الخطاب، القدرة على قراءة الناس؛ كلها عناصر تُبنى تدريجياً لتقنع المشاهد بأن الولي ليس مجرد ادعاء، بل تحوّل داخلي حقيقي.

 

"التابو" كأداة درامية

من أهم نقاط قوة العمل، شبكة العلاقات التي تحيط بالشخصية. العلاقة الأكثر تعقيداً تبقى مع شهلا "أخت سليم العادل". هذه العلاقة التي تبدأ وكأنها هاربة من فيلم أكشن، وتبنى على الشك والعداء وتتطور تدريجياً إلى مساحة رمادية، وصولاً إلى علاقة عاطفية تقترب من كسر أحد أكثر التابوهات حساسية؛ حيث يبدو المشهد من منظور خارجي جنس محارم.

المسلسل يغامر هنا، لكنه لا يفعل ذلك بشكل فجّ، بل عبر بناء نفسي ودرامي يبرّر هذا التحوّل. وهو من النقاط التي تحسب له، لأنه لا يكتفي بالإثارة، بل يربطها بسياق الشخصية وتحوّلاتها.

في المقابل، العلاقة مع العقيد كفاح تمثّل خط السلطة الموازي: علاقة شدّ وجذب، مساومة دائمة ولعبة نفوذ قائمة على التوازن لا المواجهة المباشرة. جابر لا يقطع "شعرة معاوية"، بل يتسلل عبرها، خطوة خطوة، في مسار يمكن وصفه بأنه براغماتي.

 

حين تتحوّل الضيعة إلى سوريا

المشكلة تبدأ في الثلث الأخير من المسلسل. هنا يقع "مولانا" في فخّ واضح:  الترميز المباشر. فالضيعة لم تعد مجرد مكان درامي مغلق، بل تحوّلت إلى استعارة ثقيلة لسوريا. وجابر لم يعد شخصية درامية. والعقيد كفاح لم يعد مجرد ضابط، بل رمزاً سياسياً للرئيس المخلوع بشار الأسد.

في هذه اللحظة، يفقد العمل جزءاً كبيراً من اسقاطاته. فبدلاً من أن تبقى الرموز مفتوحة وقابلة للتأويل، يبدأ النص بشرح نفسه. تتكاثر الخطابات، تصبح اللغة أثقل، وتفقد الأحداث عفويتها. كأن العمل لم يعد يثق بقدرة المشاهد على الفهم، فاختار أن يقول كل شيء بصوت عالٍ.

هنا تحديداً، يسقط المسلسل في نفس الفخ الذي بنى عليه شخصيته الأساسية:تصديق الكذبة.

 

مشكلة الإطالة

إحدى أبرز مشاكل "مولانا" هي امتداده على 30 حلقة. المسلسل كان يمكن أن يكون أكثر كثافة وتأثيراً لو اختُصر إلى 15 حلقة مثلاً. هناك خطوط درامية كاملة لا تضيف شيئاً حقيقياً، بل تستهلك الإيقاع وتخفف من التوتر، وهناك خطوط درامية بدأت بشكل جيد، لكن وقعت بفخ الإطالة والدوران بحلقة مفرغة، وقد يكون المثال الأبرز هو مشاهد زينة التي تبكي وتنوح طوال الحلقات الأخيرة، والتي كان يمكن اختزالها إلى الربع وربما كان الأفضل التخلي عنها. 

الإطالة هنا لم تكن مجرد تفصيل إنتاجي، بل أثّرت مباشرة على قوة العمل، خصوصاً في نهاياته. ورغم ذلك، فإن "مولانا" يصنف بين أذكى الأعمال الدرامية في السنوات الأخيرة، من حيث الفكرة والبناء والأداء، لكنه ينتهي وهو يحمل تناقضه داخله؛ فهو عمل عن رجل يصدّق أنه "مختار"، فيقنع الآخرين، ثم يبالغ في ذلك إلى حدّ يفقد فيه السيطرة.

وكذلك المسلسل: يبدأ واثقاً، متماسكاً، ثم يبالغ في رسائله، فيفقد جزءاً من بريقه ويكاد يتلاشى في الحلقة الأخيرة. ربما هذه، في النهاية، لم تكن مصادفة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث