إمرأة باكية، ترفع شارة النصر اثناء قيادة سيارتها على طريق الزهراني في جنوب لبنان، فيما يرفع أحد أفراد عائلتها من المقعد الخلفي صورة شهيد. تختزل هذه الصورة حالة مجتمع بأكمله، غادر بعائلة مكتملة، وعاد مع صورة... ملاك حارس، وفّر العودة التي كان كثيرون يظنوننها مستحيلة.
تفتح هذه اللقطة التي التقطها المصور عبد القادر الباي، الباب على قراءة أوسع لما تعكسه من وجدان جماعي، إذ رغم قساوة الحرب، وما رافقها من نزوح وتهجير وسقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى، إضافة إلى الخوف الذي خيّم على الأيام والليالي، لم تُفضِ هذه المعاناة إلى شعور بالهزيمة لدى جمهور حزب الله وحركة أمل. كما تعكس هذه الصورة نظرة هذا المجتمع إلى ما جرى باعتباره اعتداءً على أرضه، مما يجعل الدفاع عنها واجبًا، فتغدو "الشهادة" مصدر فخر، وتُقدَّم العودة إلى الديار بوصفها تعبيرًا عن نصرٍ ممهورٍ بتضحيات أبنائه.
فقد وتجربة
في نظرات هذه السيدة، ما يختصر هذا الإحساس المركّب بين حزن الفقد وقسوة التجربة، وهي عائدة، كغيرها، إلى مكان ظنّ كثيرون من الجنوبيين يومًا أن الوصول إليه لن يكون ممكنًا، بعد حديث عن تدمير شامل ومنع للعودة، وتصريحات إسرائيلية بإقامة منطقة عازلة في أجزاء من الجنوب. في هذا التداخل بين الألم وما رافقه، تبدو ملامحها أقرب إلى شهادة حيّة على ما تختزنه هذه العودة من دلالات، وتتقدّم فيها ملامح شعور بالنصر رغم ثقل التجربة.
مع أنها هدنة لعشرة أيام فقط، ولا أحد يدري ما الذي قد تحمله الأيام التالية، ما زالت مشاعر الخوف والقلق ماثلة لدى أبناء الجنوب، خصوصًا مع بقاء جيش الاحتلال في مساحات واسعة. وضمن هذا الترقب، خاض أبناء الجنوب والضاحية والبقاع جولة جديدة، راهنت فيها إسرائيل على إحداث شرخ بينهم وبين حزب الله، وعلى تراجع مستوى التأييد له.
في اليوم الأول لإطلاق الصواريخ، برزت انتقادات داخل هذه البيئة، لكن مع اتساع رقعة الحرب الإسرائيلية وتصاعد الإحساس بالخطر الوجودي، تبدّل المشهد تدريجيًا، لا سيما مع تمكن حزب الله من استعادة جزء من حضوره وقدراته. وجاء ذلك بعد نحو 15 شهرًا عاشها هذا المجتمع تحت وطأة الاعتداء من دون رد فعلي، ما رسّخ في مرحلة سابقة شعورًا بالعجز.
ارتباط بالأرض
غير أن عودة الحزب إلى الميدان، وما شهدته القرى الجنوبية من مواجهات، إضافة إلى إخفاق الجيش الإسرائيلي في فرض سيطرته على مدن أساسية مثل بنت جبيل والخيام رغم قسوة المعارك، أعاد إحياء هذا الارتباط، ومحا إلى حد كبير آثار مرحلة طويلة من الإحباط.
شيئان تفضي إليهما هذه الصورة. في شارة النصر، يتعزز التمسك بخيار السلاح، ويتجدّد التأييد لحزب الله، مع استمرار الالتفاف حول الرئيس نبيه بري، باعتباره القائد والعقل السياسي الناظم لهذه البيئة. وفي البكاء، بحث عن الهدوء والطمأنينة، وهي حاجة الجنوبيين اليوم، بعد أشهر من القهر والفقد والقلق.. وبينهما، مشاعر غضب تجاه الدولة اللبنانية، التي يعتبرون أنها تخلّت عنهم، في ظل رفض واضح لفكرة الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.




