تحول الاعتصام الذي دعت إليه صفحات وحسابات في مواقع التواصل، تحت عنوان "قانون وكرامة" في ساحة الشهيد يوسف العظمة، المعروفة بساحة المحافظة في دمشق، من وقفة مطلبية رفعت شعار "بدنا نعيش"، إلى مشهد سياسي وأمني مفتوح على أكثر من مستوى، بعدما تزامن مع تجمهر مضاد يرفض الوقفة، وتدخلت قوات الأمن الداخلي للفصل بين الطرفين وسط هتافات متعاكسة واتهامات متبادلة بالتخوين والارتباط بجهات خارجية.
وتحدثت تغطيات محلية عن حضور متفاوت جرى توصيفه في بعض المواد بأنه "عشرات"، وفي أخرى بأنه "مئات"، ما يعكس أن الرقم نفسه بقي محل تقدير إعلامي أكثر من كونه حصيلة رسمية معلنة.
تدهور الأوضاع المعيشية
وكانت الدعوة قد بدأت قبل الاعتصام بأيام، عبر منشورات ربطت الوقفة بتدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار وضعف الأجور وتراجع الخدمات، ثم توسعت لتضم مطالب سياسية وحقوقية أكثر اتساعاً، من بينها العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الجرائم، ورفض إعادة تعويم شخصيات من النظام السابق، وتوسيع المشاركة السياسية، وضمان حرية التعبير والتجمع، وحماية الخدمات العامة، ووقف القرارات الاقتصادية التي تمس مستوى العيش من دون تصحيح الرواتب.
أسئلة المشروعية قبل بدء الاعتصام
منذ الساعات الأولى لانتشار الدعوة، انتقل النقاش سريعاً إلى سؤال يتعلق بمن يدعو فعلاً، ومن يتحمل مسؤولية الدعوة علناً، وما إذا كانت الوقفة تعبر عن إطار مدني معروف أو عن شبكات سياسية غير واضحة الهوية.
وكان المنشور الأول للدعوة إلى الاعتصام قد ظهر في 8 نيسان الجاري، في صفحة عدي منصور، وهو صحافي سابق في إذاعة "شام إف إم" الموالية لنظام الأسد، والتي كانت تتغنى بحملات دعم للجيش السوري على وقع صوت يذكره السوريين جيداً، هو صوت مذيعة القناة الرئيسية هيام الحموي، فضلاً عن التغطيات الإعلامية المرافقة "لعمليات جيش الأسد" من قصف وتدمير لقرى السوريين. وكان عدي قد غادر إلى لبنان برفقة سامر يوسف، مالك إذاعة "شام إف إم سابقاً"، عقب سقوط نظام الأسد، وأسس منصة "شام TV" حيث يعمل.
وأعيد تداول المنشور من قبل عدد من الناشطين المعارضين للحكومة والمتواجدين في لبنان والعراق وفرنسا، تلاها تأسيس صفحة تحمل اسم الاعتصام في 9 نيسان، أي بعد يوم واحد، وهو ما زاد الشكوك حول الأهداف السياسية وراء الاعتصام.
مطالب معيشية؟
بعد ذلك، بدأ ناس عاديون مشاركة المنشور، إذ وجدوا أن بعض المطالب محقة، من دون أن تكون لديهم أدنى معرفة بالدوافع السياسية للاعتصام نفسه. هؤلاء قالوا أن الاعتصام ينظمه "شباب سوريون داخل سوريا" وأنه تحرك عفوي مستقل عن أي تأثير خارجي، ورفضوا حملات التخوين وتصنيفهم كمؤيدين للأسد أو تابعين لأطراف أخرى. لكن هذا التوضيح لم ينه الجدل، لأن قسماً واسعاً من المنتقدين واصل طرح سؤال الأسماء والجهة والتمثيل، معتبراً أن الغموض التنظيمي يضعف الثقة في التحرك مهما بدا بعض مطالبه مفهوماً في ظل الضائقة المعيشية.
هذا الاعتراض اكتسب وزناً أكبر لأن منتقدي الاعتصام قارنوه بتحركات سابقة في دمشق، خصوصاً وقفة باب توما، التي جرى تقديمها على أنها مثال على احتجاج خرج بوجوه أو بيئات أكثر وضوحاً، وتحت حماية معلنة من الأمن الداخلي، من دون أن يفتح الباب بالحدة نفسها أمام سؤال: من يقف وراء الدعوة. هذه المقارنة تكررت كثيراً في الخطاب المعارض للاعتصام الحالي، وفيها محاولة لفصل الاعتراض على مبدأ التظاهر السلمي، عن الاعتراض على الجهة الداعية وهوية من يقفون خلفها.
التوقيت والرمز والشك
ورأى البعض في اختيار تاريخ 17 نيسان، توظيفاً مقصوداً لرمزية عيد الجلاء في تاريخ سوريا، وذهب بعض القراءات إلى أن استحضار المناسبة يوحي، ولو من دون إعلان مباشر، بإسقاط معنى "الجلاء" على السلطة الحالية، وهو ما استُخدم على الفور لتعميم اتهام سياسي أوسع على الاعتصام كله والمشاركين فيه، ومنح خصوم الاعتصام مادة جاهزة لتقديمه كتحرك ملتبس الجذور والوظيفة.
شارع في مواجهة شارع
على الأرض، اتخذ المشهد شكلاً أكثر توتراً، حيث أظهرت مقاطع فيديو صورت من الساحة، انتشار الأمن الداخلي لتأمين المعتصمين، في حين تلاقت مجموعات معارضة للاعتصام في الجهة المقابلة من الساحة، ورفعت شعارات مضادة ووجهت اتهامات مباشرة للمشاركين بأنهم من "فلول" النظام السابق أو من "الشبيحة". كما وثّق بعض المواد حالات اشتباك بالأيدي، ومحاولة سيارة اقتحام موقع الاعتصام قبل إيقافها، واعتداء على إعلامية كانت تبث من المكان.
وقبل الاعتصام بيوم، سبقت المشهدَ موجة تحريض علنية يف الإنترنت، من بينها فيديو لشخص ظهر ملوحاً بالسلاح ومتوعداً المعتصمين بالقتل، من دون أن يتوافر حتى الآن توثيق مستقل نهائي لهويته أو مكان وجوده، إلا أن ناشطين رجحوا أن يكون هذا الشخص خارج سوريا.
كما انتشر مقطع فيديو للداعية الإسلامي وعضو اللجنة الانتخابية، عبد الرحمن كوكي، الذي وصف الدعوات بأنها "مشبوهة" ومرتبطة بأجندات خارجية، فيما اعتبر المتحدث السابق باسم المجلس الإسلامي السوري، مطيع البطين، أن من يقفون وراء الاعتصام ينفذون أجندات خارجية، وأن مشكلتهم هي مع "الإسلام السنّي" أكثر من كونها مع الرئيس أو القانون أو العدالة.




