تتعامل إسرائيل مع وقف إطلاق النار في لبنان، المؤقت لعشرة أيام، كهدوءٍ لا يُنهي المعركة بقدر ما يعيد ترتيبها. فبعيداً من سردية الاحتلال بشأن "التهدئة"، تُجمع الخطابات الرسمية والإعلامية في تل أبيب، على أن المواجهة لم تُحسم بعد، وأن تل أبيب تعتبر ملف سلاح حزب الله جوهر المعركة، مع إبقاء خيارين متوازيين على الطاولة: إما إغلاق الملف سياسياً.. وإما حسمه عسكرياً.
جدل إسرائيلي حول المخاطر.. و"الإهانة"
وفي خضم الجدل الداخلي الإسرائيلي بشأن مخاطر وقف إطلاق النار قبل تحقيق كامل الأهداف العسكرية، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وصحافيون مقربون منه، الترويج لـ"إنجازات" حققها القتال في لبنان، تنوعت بين احتلال جنوده مواقع "استراتيجية" أعمق، وبين ولادة فرصة سياسية "نادرة" لتغيير الواقع الاستراتيجي في الجبهة الشمالية، إلى جانب إحداث دمار كبير في جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية.. بل ذهب بعضهم إلى الادعاء أن "العبرة في الخواتيم"، وأن ثمة معركة موازية تجري لتغيير الواقع، بدعوى أن "النصر الحقيقي" يتحقق أحيانا لا يُلمس أثناء الحرب بالضرورة، وإنما بعد حين!
لكن هذا لم يمنع من استمرار الجدل بين الإسرائيليين بمختلف مرجعياتهم الأيدولوجية والسياسية، باعتبار أن وقف إطلاق النار، جاء بقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وحتى قبل مشاورته نتنياهو، واكتفائه فقط بإبلاغه بضرورة التطبيق، وهو ما عدّه محللون وساسة في تل أبيب، بمثابة "إهانة كبيرة" لإسرائيل، عدا أنه مؤشر لبداية "عدم ثقة" بين ترامب ونتنياهو، بمنظور بعض القراءات الإعلامية العبرية.
الطريق نحو فصل الجبهات؟
ثمة جانب آخر للجدل الإسرائيلي، وهو ارتباط المسألة اللبنانية بمفاوضات أميركية إيرانية، ما وضع إسرائيل في صورة الفاشلة في تحقيق هدفها الذي لطالما رددته طيلة السنوات الثلاث الأخيرة، ألا وهو "فصل الجبهات وتفكيكها"، لكن محللين وصحفيين من اليمين المتطرف، حاولوا دحض هذه الاتهامات، بالقول إن هناك قناعة مشتركة لدى واشنطن وتل أبيب، مفادها أن الطريق إلى تفكيك الجبهات، لا بد أن يمر عبر اتفاق شامل مع طهران بصفتها "الرأس المدبّر والداعم" لكل المجموعات "الموالية" في المنطقة، وأن الواقع الذي سينشأ عن هكذا اتفاق أوسع، سيقود تراكميا إلى تحييد دعم الجمهورية الإسلامية لحلفائها، وبالتالي تكريس فصل الجبهات، بدعوى أن طهران أدركت بعد تلقيها ضربات مباشرة، أن فكرة استخدام الحلفاء للقتال بالوكالة، لم تعد مجدية كما يجب، خصوصا في ظل تقييمات إسرائيلية بأن إيران باتت في وضع اقتصادي أكثر صعوبة، ولديها أولويات في المرحلة المقبلة، إلى جانب تولد رغبة إقليمية ودولية بضرورة "إنهاء" سلاح حزب الله.
لبنان في مواجهة "نموذج غزة" العسكري
من جانبه، نقل المراسل العسكري لموقع "واللا" العبري أمير بوخبوط عن مصدر أمني، أنه بعد تثبيت خط الفصل بين قوات الجيش الإسرائيلي وحزب الله داخل الأراضي اللبنانية، ستقود القوات الإسرائيلية ما وصفها "عملية تطهير" للمنطقة، والبحث عن بنى تحتية عسكرية لحزب الله وتدميرها، أي على غرار ما يفعله الاحتلال في المنطقة الصفراء في قطاع غزة، لتكريس "حيز أمني" جديد ل"حماية" الحدود! وهذا يعني أن الجيش الإسرائيلي يريد استغلال اتفاق وقف إطلاق النار، لاستكمال نشاطه "الهندسي" والعسكري في المنطقة اللبنانية المحتلة حديثا، وذلك بتدمير ما فوق الأرض وما تحتها، أو بمطاردة عناصر حزب الله الموجودين فيها، لمحاولة اغتيالهم أو اعتقالهم.
ووفق المصدر الإسرائيلي، لدى الجيش الإسرائيلي الآن "الكثير من العمل"، معتبرا أن الاتفاق "فرصة" لتدمير ما بناه حزب الله على مدى سنوات طويلة، على حد قوله.
"تحدي" للقوات المتبقية بجنوب لبنان!
في حين اعتبر المحلل العسكري ل"معاريف"، آفي اشكنازي، أن وقف إطلاق النار، جعل القوات الإسرائيلية في مناطق بجنوب لبنان، تواجه "تحديا بسيطا"، بذريعة أنها لم "تُطهر" من عناصر حزب الله الذين ما زالوا موجودين في مواقع انتشار الجيش الإسرائيلي، ما يجعل "المهمة معقدة للغاية"، مشيرا إلى أن القوات الإسرائيلية عملت "تحت ضغط الوقت" بالأيام الأخيرة؛ لتقليص "قدرات" حزب الله في المنطقة.
كما أشارت مواقع عبرية إلى أن الجيش الإسرائيلي يحافظ على "حالة تأهب مرتفعة" في المواقع التي يسيطر عليها بفعل العملية البرية، وهي معطيات ميدانية مزعومة اعتبرتها مواقع عبرية، دليلا على "هشاشة الاتفاق" الذي تم بوساطة الإدارة الأميركية.
بكل الأحوال، تعتقد قراءات إسرائيلية متعددة، إلى أن الحد الأقصى للحرب قد مر، وأنها لو عادت، فإنها ستكون بوتيرة أقل حدة مما سابق، خصوصا في ظل الترويج لفرصة أكبر لإبرام اتفاق أميركي وإيراني شامل.
الرد "بقوة غير متناسبة"
وأما على صعيد الباحثين المتخصصين بملف حزب الله، مثل يوسي مانشروف، فقد رأى أن توقف الحرب على حزب الله الآن، قبل استكمال المهمة، هو "خطأ استراتيجي" من شأنه أن يسمح للحزب بإعادة بناء نفسه. ودعا مانشروف إلى وجوب أن تكون "معادلة الرد" على أساس أن تُقابل أي محاولة هجوم من حزب الله ضد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، ب"قوة غير متناسبة" ضد ما وصفها "مراكز الثقل" التابعة للحزب، ما يؤكد تحريض مانشروف على المبالغة بالاعتداءات الإسرائيلية، حتى لو كانت ردا على مجرد "نية" أو "محاولة" لم تُترجم بهجوم فعلي بعد!
"القوة الممزوجة بالصبر"!
بدوره، أشار موقع عبري متخصص بالشؤون العسكرية، إلى أن التجربة المتراكمة مع الإدارة الأميركية الحالية، تُظهر أن فريق التفاوض الأميركي يتحرك أحياناً ب"سرعة مفرطة" لتوقيع اتفاقات دون إغلاق جميع "الثغرات"، وهو نهج قال الكاتب الإسرائيلي جيدي هراري، إنه لا يناسب الشرق الأوسط الذي يتطلب تثبيت كل تفصيل ب"عناية ودقة"، على حد تعبيره.
كما نصح هراري، وهو مسؤول سابق بالاستخبارات الإسرائيلية، ويعمل الآن باحثا بالمجال العسكري، بأن تستخدم إسرائيل نهج "القوة الممزوجة بالتواضع والصبر" خلال المفاوضات مع لبنان، داعيا تل أبيب إلى تجنب التصريحات والشروط المطلقة أو التهديدية في الساحة العلنية، بدعوى أن الهدف النهائي هو التوصل إلى "اتفاق سلام"، لكن الباحث الإسرائيلي المختص بالشؤون "الدفاعية" لم يستبعد خيارا وصفه ب"المناسب" في المرحلة الأولى، وذلك بتوقيع اتفاق "عدم اعتداء" أو إطار سياسي آخر، يمكن للحكومة اللبنانية "تسويقه" للرأي العام دون أن الظهور وكأنه "استسلام كامل"، على حد زعمه.




