حياة تُرثى...وحياة تختفي لا يلحظها أحد

ريتا باروتاالخميس 2026/04/16
Image-1776338789
"تُمطر علي" للفنان اللبناني رفيق مجذوب
حجم الخط
مشاركة عبر

"أُحبّ أولئك الذين يرتبكون،
الذين لا يسيرون على منطق،
أقله، ليس "كما ينبغي"،
أولئك الذين، بسلاسلهم،
كي لا يُربكوا الآخرين،
يُصدرون الرنين"
 

غنّت آن سيلفستر (1977) أولئك الذين لا تُكتب عنهم الأغاني، سكّان الظل والممكن من الحياة، الذين يفترشون حافة الوجود، يسقطون بلا دويّ، ومن دون علم أحد. فالأغاني غالباً ما تحتفي بالحب والانتصارات، وتمرّ فوقها.
في زمن الحرب، تتكاثر قصص هؤلاء الـParias(*)، الناس الذين يُدفع بهم إلى خارج المشهد الاجتماعي، من دون أن يصلوا إلى عنوان فرعي، خبر قصير، أو حتى صورة. بعض هذه القصص يبقى عالقاً عند أطراف المدينة، في غرف الحراسة والشقق المؤقتة، وفي أجسادٍ لا تعرف أين تنام. أجساد لا تستجدي، ولا تطلب. لعلّها اعتادت على عدم أحقيتها في الطلب. هؤلاء ليسوا أبطال نشرات الأخبار. ولا حتى ضحاياها. هؤلاء هم من يمكن أن نسمّيهم، من دون كثير رَمسَنة: صغار الناس.
...
في أحد الأحياء خارج بيروت، يقف حارس مبنى سوداني عند المدخل. لعله ينتظر شيئًا، أو يسأل إلهًا ما، إن كان يمكنه أن يتحمل هذا العبء. وجهه مألوف لسكان المبنى، واسمه أيضًا. لكن قصته، قصصه، تبقى دائمًا من دون قيمة فعلية.
يعيش الحارس هذا، في غرفة "الناطور". بمساحة 4x4 أمتار. سرير وحيد في الغرفة، وهو نفسه الكنبة. وصل أفراد من عائلته، عمّال سابقون في بيروت، فقدوا أعمالهم فجأة في منطقة أُجبر أهلها جميعًا على إخلائها، فتراجعوا إلى النقطة الوحيدة التي بقيت لهم: هو.
صار المكان الذي يحرسه مسكنًا مؤقتًا لهم جميعًا. الغرفة الصغيرة لم تعد تكفي، لكنّها صارت أقرب إلى وطن مؤقت، مُرتجل بعض الشيء، وهشّ جداً.
لعل الحارس السوداني يشعر الآن، بأنه لم يعد مسؤولاً عن نظافة المبنى ولمّ النفايات فحسب، بل عن أجساد أفراد من عائلته، عن إطعامهم واحتوائهم. وهو يعرف مسبقاً بأن أصحاب المبنى، سيتأففون قريبًا، من أجساد لن يعتادوا على وجودها هنا.


في مكان آخر، وفي اللحظة التاريخية نفسها، عاملة منزل، تركت بلدها منذ 15 عاماً، لتعمل لدى عائلة ميسورة سرعان ما سافرت هربًا من الحرب، وتركتها. عاملة منزل، من دون منزل.
خلال الأيام الأولى من الحرب، كانت تعيش مع صديقاتها في بيروت، حياة صغيرة، لكنها مستقرة بما يكفي لتُسمّى حياة. ثم اكتظ المكان بعاملات من أنحاء لبنان، هربن ليعشن معًا، لعلهن يقتسمن في ما بينهن، المأكل، وبعضًا من أمل.
مشت من بيروت إلي الدكوانة. أخبرتها صديقتها التي تسكن غرفة فرعية في مبنى قيد الإنشاء، بأن المكان لن يسعها. مشت مجددًا، وقد قررت أن تقضي كل ليلة، في منزل صديقة لها. وضّبت حياتها داخل حقيبة. فصار وجودها مؤقتًا حتى في أكثر أشكاله حميمية: النوم.


وفي مكان ثالث، عامل بناء سوري، يزور مكب النفايات خلال الليل، ليجد ما يمكن استخدامه أو ربما بيعه. كان يعمل في المدينة. يبني بيوتًا لا يحلم بأن يسكنها. فخسر عمله، كما المئات، لأن الحرب بدمارها والموت الذي تفرشه، تُسقط وزرًا آخر، لا يقل فظاعة، وهو خسارة مورد العيش.
العودة إلى سوريا، لهذا العامل، ليست خيارًا، لأنه وبكل بساطة، لا شيء ينتظره هناك: لا بيت، لا عائلة، ولا أفق. فهو عالق هنا، ولا ينتمي إلى هنا. بَلَدان، كلاهما لا يعده بشيء.
...
هذه القصص ليست استثناءات، بل قاعدة  لا تُرى، أو القاعدة التي نقرر ألا نراها. ففي أزمنة الحرب، لا يتوزّع العنف بالتساوي لأنه يتكثّف حيث تكون الحياة هشّة أصلًا. يمكن التفكير في ذلك من خلال ما يسمى Structural Violence، ذلك الشكل من العنف الذي يظهر كبُنية كاملة، تُقصي، وتُهمّش، وتُعرّض أجساداً أكثر من غيرها للخطر.
في هذه البنية، هناك من يملكون شبكات أمان: عائلة، بيت، جنسية أخرى، موارد. وهناك من لا يملكون إلا أنفسهم. هؤلاء هم الذين تتحوّل الحرب بالنسبة إليهم من حدثٍ استثنائي إلى امتدادٍ لحياة تتأرجح على حبل رفيع. وإن اختلّ توازنهم، سقطوا على أسفلت قاسٍ.
لم تكن المسألة يوماً مسألة طبقة فقيرة يفضل البعض تسميتها طبقة "الأقل حظاً" (وكأننا بتلطيف المصطلح، نصلح الظلم الممنهج). هي مسألة قابلية أن يُترك الإنسان وحده، والتي يمكن استعارة تعبير جودث بتلر، لتفسيرها: تفاوت القابليّة للرثاء (grievability). مَن تُعتبر حياته قابلة للرثاء، ومن يمكن أن يختفي من دون أن يلاحظه أحد.

...
لكن، رغم ذلك كله، هناك شيء ما يحدث. شيء صغير، لكنه عنيد.
الحارس الذي يفتح المكان لعائلته،
الصديقات اللواتي يوزّعن النوم بين بيوتهن،
العامل السوري الذي يفضّل النبش في النفايات على أن يمدّ يده على الأرصفة...
لا يسمّون ما يفعلونه. ولا يفكّرون فيه بوصفه مقاومة. هو مجرّد إصرارٍ يوميّ، على الاستمرار.
ربما هؤلاء هم أنفسهم الذين تُغنّي لهم آن سيلفستر، Les gens qui doutent.
أولئك الذين لا يُتقنون أن يكونوا "كما ينبغي"، ولا ينتظرون أن يلتفت إليهم أحد. إصرارهم هذا، رغم غياب أيّ ضمان، يتّخذ أشكالًا من التضامن لا تُعلن عن نفسها، ولا تطلب بطولة، ولا تحلم أن تُذكَر في خبر، أو أن تُحفَظ في أرشيف. هذا الاصرار هو ما يُبقي الحياة ممكنة.

____________________
(*) Parias: مصطلح يُستخدم للإشارة إلى المنبوذين أو المقصيين اجتماعيًا. يعود أصله إلى كلمة pariah المرتبطة
تاريخيًا بنظام الطبقات في الهند، قبل أن يُستعاد في الأدب الأوروبي (كما مع فيكتور هوغو) للدلالة على الأفراد الواقعين
خارج الاعتراف الاجتماعي.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث