دانت إيران حظر "يوتيوب" قناة كانت تنشر مقاطع فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي على شكل شخصيات "ليغو" تسخر فيها من حرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران.
وذكرت قناة "إكسبلوسيف ميديا" (الميديا المتفجرة) في "إكس" الأسبوع الماضي أن "يوتيوب" علق حسابها بدعوى "المحتوى العنيف". وتساءلت: "حقاً! هل رسومنا المتحركة المصممة على غرار ليغو عنيفة حقاً؟"، فيما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي أن الحظر يهدف إلى طمس الحقيقة حول الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، حسب تعبيره.
وغرد بقائي: "في بلد يفتخر باستضافة شركات بيكسار ودريم ووركس أنيميشن ووالت ديزني، أغلقت قناة رسوم متحركة مستقلة في يوتيوب، نمت بشكل طبيعي من خلال تصوير العدوان الأميركي ونزعته الحربية، وحصدت ملايين المشاهدين، فجأةً!! لماذا؟! ببساطة لإخفاء الحقيقة حول "حربهم غير الشرعية" على إيران وحماية الرواية الكاذبة للإدارة الأميركية من أي صوت منافس".
و"إكسبلوسيف ميديا" هي قناة لمجموعة من صناع المحتوى الموالين لإيران، الذين يصفون أنفسهم بالمستقلين، لكنهم يُعرفون على نطاق واسع بارتباطهم بالحكومة الإيرانية، واشتهروا بسلسلة من فيديوهات تشبه ألعاب ليغو حصدت ملايين المشاهدات خلال العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. وفيديوهات القناة التي حققت انتشاراً واسعاً والمدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والمستوحاة من الأسلوب البصري المعروف لليغو، تتضمن صوراً لأطفال يحتضرون، وطائرات مقاتلة، والرئيس الأميركي دونالد ترامب،حسبما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".
وتواصلت الهيئة مع متحدث باسم " إكسبلوسيف ميديا" الذي طلب تسميته "السيد إكسبلوسيف"، مقدماً نفسه كخبير متمرس في إدارة المحتوى في مواقع التواصل الاجتماعي، ونفى في البداية أي صلة له بالحكومة الإيرانية، لكن مع مواصلة الاستجواب، أقر "السيد إكسبلوسيف" بأن النظام الإيراني "أحد عملائه"، وهو أمر لم يسبق أن قاله علناً.
وتتمحور الرسالة الأساسية للفيديوهات حول تصوير إيران على أنها تقاوم ما تعتبره قوة عالمية مهيمنة، هي الولايات المتحدة. وتتسم المقاطع بالمباشرة والمبالغة. وفي أحد الفيديوهات، يظهر دونالد ترامب وهو يهوي وسط دوامة من وثائق "ملف إبستين"، بينما تتردد كلمات أغنية راب تقول: "الأسرار تتسرب، والضغط يتصاعد". وفي مقطع آخر، يظهر جورج فلويد تحت قدم شرطي، فيما يسمع صوت يقول أن إيران "تقف إلى جانب كل من ظلمهم نظامكم".
وقالت خبيرة الدعاية الدكتورة إيما براينت إن مصطلح "سلوباغندا" (Slopaganda) الذي صيغ في ورقة أكاديمية العام الماضي كتلاعب بعبارة "AI slop" (رداءة بعض المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي)، لا يعكس بدقة مدى قوة هذا النوع من المحتوى "شديد التطور". وأشارت تقديرات إلى أن مقاطع دعائية تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي حصدت مئات الملايين من المشاهدات خلال الحرب. وفي مكالمة مرئية مع "السيد إكسبلوسيف"، بدا بملامح شبه معتمة، تحيط به إضاءة حمراء وخضراء تحاكي ألوان العلم الإيراني. وعلى مكتبه وضعت خوذة خضراء مزينة بريش، تنسب إلى الإمام الحسين بن علي، الذي يظهر في عدد من مقاطعهم.
وقال "السيد إكسبلوسيف" أن فريق "إكسبلوسيف ميديا" لا يتجاوز عشرة أشخاص، ويعتمد أسلوب الرسوم المستوحاة من "ليغو" لأنه "لغة عالمية يفهمها الجميع". وتعاد مشاركة المقاطع بشكل منتظم عبر حسابات تابعة لوسائل إعلام رسمية إيرانية وروسية عبر منصة "إكس"، لتصل إلى ملايين المتابعين.
وتضمنت الفيديوهات كماً كبيراً من الأخطاء والمعلومات المضللة، ففي أحد المقاطع، يظهر الجيش الإيراني وهو يأسر طياراً أميركياً بعد إسقاط طائرته. لكن مسؤولين أميركيين أكدوا أن قوات خاصة أميركية أنقذت الطيار، الذي كان عالقاً في منطقة جبلية نائية داخل إيران، في 4 نيسان/أبريل. ورفض "السيد إكسبلوسيف" تلك الرواية، قائلاً: "ربما لم يكن هناك طيار مفقود أصلاً، ولم تحدث أي عملية إنقاذ. كان هدفهم الرئيسي سرقة اليورانيوم من إيران". وعندما مواجهته بهذه المعلومات، استناداً إلى تصريحات مسؤولين أميركيين أفادوا بأن الطيار يتلقى العلاج حالياً في الكويت، رد قائلاً أن "13 في المئة فقط مما يقوله دونالد ترامب مبني على حقائق".
ورغم ذلك، نجح الفيديو الذي أنتجته "إكسبلوسيف ميديا" في ترسيخ الرواية البديلة بين جمهور واسع من الناطقين بالإنجليزية. وقالت إحدى المؤثرات الأميركيات في "تيك توك"، لمتابعيها أن فيديوهات "ليغو" كانت "دقيقة بشكل صادم حتى الآن، حيث كشفت قصة مهمة الطيار الأميركي الأخيرة، التي لم تكن مهمة إنقاذ على الإطلاق، بل عملية خاصة للبحث عن اليورانيوم". ورأت براينت، أن الذكاء الاصطناعي أتاح لإيران وغيرها التواصل مباشرة مع الجماهير الغربية بفعالية غير مسبوقة، عبر أدوات مدربة إلى حد كبير على بيانات غربية، ما يجعلها قادرة على إنتاج محتوى "ملائم ثقافياً"، مضيفة أن ذلك تحديداً ما كانت تفتقر إليه في السابق الدول الاستبدادية التي تسعى إلى التأثير في الرأي العام الغربي.
من جهتها، وصفت الدكتورة تين مونك، خبيرة الحرب السيبرانية في جامعة "نوتنغهام ترينت"، تلك الأساليب بأنها "حرب ميمية دفاعية"، أي استخدام المحتوى الرقمي واسع الانتشار للتأثير في السرديات ومواجهة الخطاب الأميركي. ورغم نفيه أنه تابع للحكومة الإيرانية، قال "السيد إكسبلوسيف" أنه تمكن من التواصل مع "بي بي سي" عبر ما وصفه بـ"إنترنت الصحافيين" الذي توفره الحكومة للنخبة الحاكمة والأدوات الدعائية، في ظل انقطاع واسع النطاق للإنترنت داخل إيران عن السكان العاديين، فيما تصنف إيران باستمرار ضمن أكثر دول العالم تقييداً لحرية الصحافة.




