شهدت ردود الأفعال اللبنانية في مواقع التواصل الاجتماعي انقساماً متوقعاً إزاء انطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة، في خطوة تعد نادرة منذ عقود، حيث تباينت المواقف بين تأييد حذر مدفوع باعتبارات سياسية رسختها عقود من الاعتداءات الإسرائيلية بحق لبنان، ورفض قاطع خصوصاً من مناصري "حزب الله"، فيما عبر آخرون عن موقف وسطي يتسم بالترقب والشك في جدوى المفاوضات وتوقيتها.
وانطلقت المفاوضات الثلاثاء في الولايات المتحدة، بعد حربين مدمرتين بين إسرائيل و"حزب الله" الذي تحرك ضد إسرائيل إسناداً لغزة ثم انتقاماً للمرشد الأعلى السابق علي خامنئي. وتداول ناشطون صوراً من اللقاء، وصفت بأنها من أوائل المشاهد العلنية لتواصل مباشر بين الطرفين منذ عقود، ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً واسعاً حول حدود هذه الخطوة وإمكانية أن تمهد لمسار مختلف، ولو بشكل محدود، في العلاقة بين البلدين.
وعلى خلاف ما يوحي به الطابع الاستثنائي للمفاوضات، فإن العلاقة بين لبنان وإسرائيل شهدت محطات تفاوض محدودة عبر العقود، أبرزها اتفاق الهدنة العام 1949 الذي أنهى العمليات العسكرية بين الطرفين من دون أن يرقى إلى مستوى معاهدة سلام. والعام 1983، جرت مفاوضات مباشرة برعاية أميركية عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وأفضت إلى توقيع اتفاق 17 أيار الذي كان يهدف إلى إنهاء حالة الحرب والتمهيد لعلاقات طبيعية، إلا أنه سقط بعد أقل من عام تحت وطأة الانقسامات الداخلية والتوازنات الإقليمية.
وكانت تلك المحطات حاضرة في مواقع التواصل، للتشكيك بجدوى المفاوضات على المدى الطويل، من منطلق أن التاريخ يعيد نفسه، في جو من الحذر تجاه النوايا الإسرائيلية تحديداً، علماً أنه بين المحطتين السابقتين، اقتصر التواصل على قنوات غير مباشرة أو ترتيبات تقنية، فيما ساهمت اتفاقات مثل "اتفاق القاهرة" العام 1969 في تكريس واقع الصراع على الحدود الجنوبية بدلاً من معالجته، قبل أن تعود الاتصالات غير المباشرة في السنوات الأخيرة عبر وساطات دولية، تحديداً في ملف ترسيم الحدود البحرية العام 2022.
في السياق، عبّر عدد من المستخدمين عن رفضهم المطلق لأي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، معتبرين أنها تمثل "تطبيعاً مرفوضاً" مؤكدين أن الصراع القائم لا يمكن اختزاله بمسار تفاوضي في ظل استمرار النزاع وغياب تسوية شاملة. واستندت هذه المواقف إلى الذاكرة التاريخية للنزاع، وإلى مخاوف من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تقديم تنازلات سياسية أو سيادية.
في المقابل، رأى آخرون أن المفاوضات ربما تشكل فرصة لخفض التوترات ومعالجة ملفات عالقة، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها لبنان، معتبرين أن الانفتاح على مسارات تفاوضية، حتى وإن كانت محدودة، ربما يساهم في تحقيق مكاسب عملية. غير أن هذا التأييد جاء في معظمه مشروطاً، إذ شدد أصحابه على ضرورة حماية المصالح الوطنية وعدم الانزلاق نحو تنازلات غير محسوبة، مع الإشارة إلى ضعف الثقة في الطبقة السياسية وقدرتها على إدارة هذا الملف، فيما كانت فكرة وقف الحرب والاعتداءات الإسرائيلية مركزية في تلك الشروط.
وبين الاتجاهين، برزت أصوات تتبنى مقاربة أكثر حذراً، حيث لم ترفض المفاوضات بشكل كامل، لكنها طرحت تساؤلات حول توقيتها وخلفياتها، وما إذا كانت ناتجة عن قرار لبناني مستقل أم نتيجة ضغوط خارجية، معتبرة أن الحكم على هذه الخطوة يجب أن يبقى مرتبطاً بنتائجها الفعلية لا بإعلانها.
وبموازاة الانقسام، طغت على بعض النقاشات على مواقع التواصل نبرة حادة، حيث تبادلت مجموعات من الطرفين الاتهامات، ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى استخدام خطاب تخويني وعبارات تحريضية كما هو معتاد، بما في ذلك اتهام المؤيدين بـ"الخيانة" أو المعارضين بـ"الجمود"، في انعكاس لحالة الاستقطاب السياسي الحاد في البلاد. ورغم ذلك، لا يبدو أن الأصوات الأكثر تطرفاً تعبر بالضرورة عن المزاج العام، بقدر ما تعكس حضوراً مرتفعاً للخطاب الحاد في الفضاء الرقمي.
ويعكس التباين في ردود الأفعال، مشهداً لبنانياً منقسماً بطبيعته، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والهواجس التاريخية، ما يجعل أي خطوة في اتجاه التفاوض مع إسرائيل موضع جدل واسع يتجاوز بعدها الدبلوماسي، ليطاول أسئلة أعمق تتعلق بالسيادة والهوية ومستقبل العلاقة مع الخارج.




