بالرغم من ضجيج أطنان القنابل التي تقذفها مدافع الاحتلال الإسرائيلي وطائراته في الحرب المستمرة على لبنان منذ أكثر من 6 أسابيع، ووعيد مسؤوليه بعدم وقف العدوان حتى حسم أمر حزب الله وسلاحه، إلا أن أصواتاً وتقييمات أمنية واستراتيجية، تُقرّ في الغرف المغلقة، بأنه لا شيء اسمه "نزع كامل" لسلاح حزب الله؛ باعتبار أن ذلك يتطلب احتلال كامل لبنان ووقتاً وجهداً كبيرين.
فرضية "عدم الهزيمة الكاملة"
وتحت هذا العنوان، برزت خلافات وتباينات بين المستويين السياسي والعسكري في تل أبيب، منذ اليوم الأول لشن العدوان الموسّع على لبنان مطلع آذار/مارس الماضي، تمحورت حول إصرار قيادات بالجيش على ضرورة أن تترافق الحرب مع مسار سياسي، ليُقابل ذلك بمعارضة أقطاب الحكومة الإسرائيلية، قبل أن يضطر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على وقع ضغط أميركي، بقبول التفاوض مع الحكومة اللبنانية في واشنطن.
وفي هذا السياق، رصدت "المدن" مقالاً لثلاثة باحثين بارزين في معهد دراسات "الأمن القومي" الإسرائيلي، هم أوفير غوتِرمان وأورنا مزراحي وأودي ديكيل، والذين سبق لهم أن شغلوا مناصب استخباراتية وعسكرية. وانطلق الباحثون الثلاثة في مقالتهم، من افتراض مفاده أن الحرب الحالية لا تنتهي بـ"هزيمة كاملة" لحزب الله، وأن سلاحه سيظل في ختامها مطروحاً على جدول الأعمال، بوصفه "مصلحة مشتركة" لكلٍّ من إسرائيل والدولة اللبنانية، على حد تعبيرهم.
نموذج "DDR": 3 خطوات
وبموجب هذا الافتراض، قدم المقال المشترك، مقترحاً باعتماد نموذج "DDR"، يقوم على ثلاث خطوات هي: نزع السلاح، والتسريح أو تفكيك الطابع العسكري، وإعادة الاندماج (Disarmament, Demobilization, and Reintegration). وحسب معهد دراسات الأمن القومي، فإن هذا النموذج يمثّل "عملية منظمة" لنزع سلاح حزب الله ودمجه في لبنان، بموازاة "إصلاح" الدولة اللبنانية وإعادة "تأهيلها وتعزيزها".
كما يعتقد الباحثون الإسرائيليون أن نموذج "DDR" يقدّم بديلاً لتفكيك حزب الله وسلاحه بالقوة العسكرية، وهو خيار قال إنه سيتطلب من إسرائيل احتلال كامل لبنان، مقدماً توصية بأنه في ظل عدم استعداد حزب الله التخلي عن سلاحه بسهولة، فإن تل أبيب عليها أن "تستغل" الفرصة لفرض ذلك، من خلال "جهد لبناني إسرائيلي وإقليمي ودولي مشترك"، تحت عنوان "الاستفادة" من الظروف الراهنة المتمثلة في "انخراط" إسرائيل ولبنان في مفاوضات سياسية مباشرة، إلى جانب ما يعدّه "ضعف" حزب الله وإيران عسكريًا بعد الحرب، ووجود القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، و"ارتفاع" الأصوات اللبنانية المنادية بنزع سلاح الحزب.
استحضار تجارب سابقة
وخلافاً لإصرار حكومة اليمين الإسرائيلي على ممارسة ضغوط عسكرية وسياسية على الدولة اللبنانية، لدفعها إلى تجريد حزب الله من سلاحه في زمن قياسي، فإن المقال يشير إلى تجارب سابقة لنموذج "DDR" في العالم، مثل إيرلندا الشمالية، أظهرت أنه قد يكون "مفيداً"، ويقدّم عملية طويلة خاضعة للإشراف ومتدرجة، تجمع بين نزع السلاح وإعادة الإعمار المدني والاجتماعي والاقتصادي، إلى جانب مظلة دعم دولية و"منافع متبادلة" لجميع الأطراف المعنية، وفق ادعائه.
ويُعرّف الباحثون الأمنيون الإسرائيليون في مقالهم، هذا النموذج، بأنه خاص بعمليات الانتقال بعد "النزاعات"، من صراع مسلح داخلي إلى نظام سياسي ومدني "مستقر"، هدفه تقليل "العنف" وتفكيك "التنظيمات المسلحة" وتهيئة الظروف للاستقرار السياسي والأمني، بما يشمل دمج النشطاء والأطر بعد إخراجهم من السياق العسكري، ضمن نظام دولة واجتماعي مستقر بلبنان، على حد قولهم.
النموذج "ملائم".. للبنان!
ويرى مقال معهد دراسات "الأمن القومي" الإسرائيلي أن نموذج DDR مناسب للحالة اللبنانية؛ بدعوى أنه "مرن" يتلاءم مع البيئات "المعقدة"، خصوصاً تلك التي يصعب فيها تحديد نهاية واضحة وحاسمة للصراع، وهو مناسب للحالات التي تكون فيها الدولة "ضعيفة"، وفي الوقت نفسه تكون فيها المنظمة المسلحة فاعلًا اجتماعيًا وسياسيًا ودينيًا وأيديولوجيًا، وهو ما دفع المقال نفسه إلى الافتراض بأنه في مثل هذه الحالات، لا يكون DDR مجرد أداة تقنية، بل يوفر إطارًا سياسيًا وأمنيًا واسعًا يجمع بين الحوافز والإشراف والتطبيق الانتقائي للقوة وإصلاحات الدولة، وبناء منظومة حكم وأمن فعّالة، بمنظورهم.
واللافت اعتراف المقال بأن النموذج لا يضع بالضرورة "نهاية كاملة" للصراع، لكنه زعم أنه تتخلله اتفاقات بشأن ترتيبات الحكم بما يسمح بمرحلة انتقالية "مؤقتة"، مع منع العودة إلى "العنف المسلح" رغم غياب نهاية سلمية مكتملة، وفق ادعاء المقال.
تباينات إسرائيلية
لكن الطرح الذي قدمه المعهد الأمني الإسرائيلي، لا يتحدث عن أصل الصراع الذي أججته العدوانية الإسرائيلية المتجاوزة لكل الحدود، كما أنه اكتفى بالتطرق إلى وجود قوات إسرائيلية في أراض لبنانية، كعامل إضافي لـ"إنجاح" نموذج "DDR"، من دون أن يتحدث عن خطوات مقابلة من إسرائيل، كالانسحاب من الأراضي اللبنانية ولجم اعتداءاتها.
على أن الطرح نفسه، رغم عيوبه الجوهرية، لا يلقى توافقاً في إسرائيل. فمثلاً، راح جاك نيريا، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، وهو ضابط استخبارات متقاعد ومن أصول لبنانية، إلى تحليل استباقي للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن، عبر التحريض على لبنان الرسمي ومطالبة إسرائيل بـ"ضرورة" خفض سقف التوقعات من المفاوضات مع بيروت، وعدم الحديث عن السلام أو التطبيع، والتركيز بدلاً من ذلك على ترتيبات أمنية تدريجية مثل إنشاء مناطق أمنية، على غرار الاتفاقيات مع مصر وسوريا.
إسرائيل ماضية في عدوانها.. رغم التفاوض
وعلى الأرض، لا تُظهر إسرائيل نية لوقف عدوانها على لبنان بشكل كامل في هذه المرحلة، لدرجة أن محللاً إسرائيلياً توقع للتلفزيون العبري الرسمي، أن يرفض الفريق التفاوضي الإسرائيلي طلباً مرجحاً من الفريق اللبناني، بوقف فوري لإطلاق النار، فيما نقل المحلل العسكري لصحيفة "معاريف"، آفي أشكنازي، عن مصدر عسكري، بأن الجيش الإسرائيلي غيّر في الاتجاه، وبات لبنان ساحة قتال رئيسية، وأنه اتخذ ليل الأحد/الاثنين، قراراً يقضي بمنح أولوية لتشغيل جميع منظومات وقدرات سلاح الجو لـ"دعم" عملياته في لبنان.
وحسب ما نقله محلل "معاريف" العسكري عن مصدر بالجيش، فإن الطيران الحربي الإسرائيلي يستخدم أنواعاً مختلفة من الذخائر، بما في ذلك قنابل تزن طناً ونصف الطن، لقصف ما عدّها أهدافاً لبنانية "عدائية"، منوهاً إلى أنه منذ اندلاع العدوان على لبنان قبل 44 يوماً، ألقت طائراته الحربية أكثر من 5 آلاف ذخيرة على أهداف بعمق الأراضي اللبنانية، نصفها (2500) استُخدمت كإسناد للقوات البرية المتوغلة في جنوب لبنان، ضمن ما وُصف بضربات عملياتية ولإغلاق "دائرة النيران" دعماً للقوات الميدانية.




