اختار الشاب اللبناني علي سبيتي تطوير خريطة رقمية تتيح للبنانيين متابعة الغارات والتوغلات والتطورات الميدانية، مستفيداً من اختصاصه في التكنولوجيا، بالتوازي مع استمرار الحروب، وتجددها، بين إسرائيل و"حزب الله"، فيما باتت أشكال المساعدة متنوعة عموماً، من المبادرات الإنسانية التي يطلقها ناشطون ومؤثرون وطلاب جامعيون لدعم النازحين، إلى جهود فردية يحاول أصحابها تقديم ما يستطيعون لخدمة المجتمع.
والخريطة التي أطلقها سبيتي تتيح متابعة التطورات مباشرة عبر الموقع الإلكتروني "ريد أليرت ليبانون" حيث يمكن للمستخدمين الاطلاع على أماكن الضربات على خريطة تفاعلية تجمع المعلومات في نقطة واحدة، وتسهل فهم ما يجري على الأرض في لحظة تتسارع فيها الأحداث.
وسبيتي (21 عاماً) هو خريج حديث في علم الحاسوب ويعمل في تطوير المواقع الإلكترونية. وقال في حديث مع "المدن" أن فكرة المشروع بدأت من حاجة شخصية: "كنت أستخدم عدة مواقع إلكترونية تتوافر فيها خرائط مختلفة كي أعرف أين تحدث الضربات الإسرائيلية. ومن هنا خطرت لي الفكرة: لماذا لا تكون لدينا خريطة محلية ترصد الغارات؟"، مضيفاً أنه سعى بعد ذلك إلى تحويل الفكرة إلى مشروع عملي يستطيع الناس استخدامه لمتابعة ما يجري بشكل أوضح.
وتشكل الخريطة التي تبقى بسيطة، خطوة أولية ومبادرة شخصية، في وقت تعتمد فيه معظم وسائل الإعلام على خرائط إسرائيلية بالدرجة الأولى. ومن اللافت أن أول مبادرة لبنانية بهذا الاتجاه تأتي بشكل جهد فردي لا رسمي، وهو جهد يحتاج إلى تطوير ودعم.
وشهدت أنظمة التحذير خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، فلم تعد تقتصر على صفارات الإنذار التقليدية، بل باتت تعتمد بشكل متزايد على التقنيات الرقمية وشبكات الاتصال الحديثة لإيصال التنبيهات بسرعة أكبر.
والموقع الذي طوره سبيتي يعتمد على تجميع المعلومات من مصادر إعلامية متعددة، ثم ترجمتها وتحليلها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، قبل تحويلها إلى نقاط تظهر على الخريطة التفاعلية. وبهذه الطريقة يستطيع المستخدم متابعة أماكن الغارات والتطورات الميدانية في مكان واحد، بدلاً من التنقل بين الأخبار أو الرسائل المتفرقة لمعرفة أين وقعت الضربة.
ولا تقتصر فائدة المشروع على اللبنانيين داخل البلاد، بل تكمن أهميته الأكبر ربما لدى المغتربين الذين يتابعون الأخبار بقلق من الخارج. فكثير منهم يجد صعوبة في تحديد مواقع القصف من خلال الأخبار المكتوبة فقط، خصوصاً عندما ترد أسماء القرى والبلدات من دون معرفة دقيقة بموقعها الجغرافي.
وتمنح الخريطة التفاعلية أولئك الأشخاص صورة أوضح عما يجري، حيث يمكنهم الدخول إلى الموقع ورؤية أماكن الغارات مباشرة على الخريطة، ومعرفة مدى قربها من قراهم أو مناطقهم. وعلق قبيسي: "يتابع المغتربون الأخبار بقلق كبير. ربما تساعدهم الخريطة على فهم ما يحدث بشكل أوضح، بدلاً من البحث الطويل بين الأخبار لمعرفة أين وقعت الضربة".
وغالباً ما تتجلى المبادرات الفردية للمساعدة زمن الحرب عبر توفير الغذاء أو المأوى للنازحين، لكن سبيتي يحاول أن يقدم مساهمته بطريقة مختلفة، مستفيداً من مهاراته التقنية، علماً أنه بدأ العمل على المشروع خلال فترة نزوحه من بلدته النبطية في جنوب لبنان.
وقال سبيتي إنه خلال النزوح شعر بإمكانية تقديم شيء مفيد، فقرر استثمار ما تعلمه في مجال التكنولوجيا للمساعدة، ولو بقدر متواضع. وأضاف أن الفكرة مستوحاة جزئياً من الخرائط وأنظمة المتابعة العسكرية التي يستخدمها الإسرائيليون لرصد التطورات، مع محاولة تقديم نسخة محلية يمكن للبنانيين الاعتماد عليها.
وأشار سبيتي إلى أن تطوير المشروع مستقبلاً ربما يتطلب تقنيات أكثر تقدماً، مثل أنظمة الإنذار المبكر أو الرادارات، لكن تلك الإمكانات غير متاحة حالياً في لبنان، ما يجعل المشروع يعتمد على المعلومات المفتوحة وتحليلها رقمياً.
ومازال المشروع في مراحله الأولى، لكنه تمكن من الوصول إلى عدد لافت من المستخدمين يتجاوزون نحو 11 ألف شخص خلال أقل شهر من إطلاقه، بحسب سبيتي الذي يأمل أن يتحول الموقع مع مرور الوقت إلى منصة موثوقة لمتابعة التطورات الميدانية في الجنوب، تساعد اللبنانيين في الداخل والخارج على فهم ما يجري بشكل أدق وأسرع، في وقت أصبحت فيه المعلومة السريعة والدقيقة جزءاً أساسياً من متابعة الأحداث.




