صمود مسيحي متوتر...ونزوح شيعي مأسوي

رولا الحسينالأربعاء 2026/04/08
Image-1775640193
"بلا عنوان" للفنان اللبناني أسامة بعلبكي، 2024
حجم الخط
مشاركة عبر

هذا نصّ أسئلة، لا إجابات فيه. أسئلة تولّد أسئلة أكبر منها، وتنقض ما سبقها وقد تتعارض مع ما يليها.

فبالإَضافة إلى عدم الاستقرار والقلق والخوف من المعلوم والمجهول، تبرز مع الحرب أسئلة، أحياناً تكون متأخرة وإجاباتها ربما مؤقتة. لكنها أسئلة أو تساؤلات مشرّعة على أسئلة أخرى قد تنسفها.

 

نتساءل مثلاً عن أحوال ومواقف أهالي القرى الحدودية المسيحية، الذين أعلنوا أنهم لن يغادروا قراهم. مَن طلب منهم المغادرة؟ الجيش الإسرائيلي هو من أمر أهالي قرى جنوب الليطاني بالتوجه إلى شماله، أمره شمل الجميع إلى حين أعلن أهالي تلك القرى رفضهم المغادرة. هذا الرفض يترافق مع معرفة الأهالي والجيش الإسرائيلي أن لا وجود لحزب الله في قراهم، وبالتالي فإن حجج الجيش الإسرائيلي الهجومية ساقطة، خصوصاً أنه يدّعي عدم استهداف المواطنين المدنيين!

 

لكن ثمة وجهاً آخر لرفض أبناء القرى المسيحية المغادرة. قالها بوضوح أحد أبناء بلدة الرميش: "إذا غادرنا لن نعود!". نعم، يشعر المسيحيون أكثر من الشيعة بأن العودة إلى قراهم في حال غادروها ستكون صعبة. في الحروب السابقة، عاد شيعة القرى المدمرة ليسجلوا "انتصاراً". عودتهم كانت ضمن مشروع سياسي. مسيحيو الجنوب أيتام، مشروع المسيحيين في لبنان بعيد من قراهم، في الجبل والشمال وبعض البقاع. هم فعلاً أيتام المعادلة الطائفية اللبنانية. ورَفضُ ترك القرى لا يعني أن أهلها لا يخافون على حيواتهم، لكنه يعني أنهم مطمئنون لخلوّ قراهم من الحِجّة، وبالتالي فهم بأمان من الغارات والغزو البري.

 

هل يحب أهل تلك القرى قراهم أكثر من مواطنيهم المسلمين، والشيعة تحديداً؟ لا، لكن أهالي القرى الأخرى لا يشعرون بهذه الطمأنينة التي تسمح لهم بالبقاء والتمسك بالأرض، فمقاتلو الحزب هم أبناء أهالي هذه القرى ومنازلها منازلهم، وأرضها أرضهم.

 

والذهاب بهذه الفكرة أبعد قليلاً يأخذنا إلى أن مقاتلي الحزب، حين يدخلون بيوت الشيعة، لا يتركون وراءهم ما يُشعر أصحاب هذه المنازل بأنهم غزاة، حتى لو كان صاحب المنزل من غير مناصري الحزب، بينما يشعر المسيحيون في حال غادروا منازلهم أنهم أمام غزوَين محتملَين.

 

أهالي القرى الشيعية يغادرون قراهم مرغمين عند أول تهديد، وهنا يحضر سؤال: لماذا أهالي القرى الشيعية لا يبقون في قراهم كفعل مقاومة، ويتحدّون أمر الإخلاء بدلاً من الانصياع له، كفعل تمسّك بأملاكهم وأرزاقهم؟ هل كان الجيش الإسرائيلي فعلاً سيهدم كل البيوت فوق رؤوس ساكنيها؟

 

إذا هددت إسرائيل القرى الحدودية المسيحية والسنية والدرزية، كما فعلت مع القرى الشيعية، سيغادرها أهلها. هم اليوم يمارسون ما يتمناه أهالي القرى جميعاً: التمسك بالأرض والبيوت والحيوانات والسماء والبحر، مستفيدين مما عملوا لأجله طيلة السنوات الماضية، أي عدم السماح للحزب بالتواجد في قراهم وتحتها، وأخذهم بلا حساب، وبرعاية الملائكة، وإسناداً وثأراً، إلى حيث أخذ بقية القرى، وما نتج بعد ذلك من اعتداءات مجنونة.

 

الأهالي الذين يملكون "رفاهية" البقاء، يطالبون الدولة بأن تقوم بواجبها اتجاههم، بعدما قاموا بواجبهم وتمسكوا بأرضهم وحقهم فيها. قرروا أن يتمسكوا بخيار الدولة، متحصنين بحقيقة أن ليس في أرضهم ولا تحتها ما يستدعي الاعتداء الإسرائيلي. هم التزموا، كما نتمنى ونسعى إلى أن نلتزم بهذا الخيار. لكن الدولة ليست جاهزة لتنفيذ ما يترتب عليها جراء هذا الالتزام.

 

الحزب تفرّد بقرار ضرب ستة صواريخ من شمال الليطاني ثأراً لاغتيال خامنئي. ثأر لا ناقة ولا جمَل فيه للدولة أو لنا، وهؤلاء يملكون خيار البقاء، وقرروا البقاء، أي قرروا الاحتماء بالدولة، لكن أين هي؟

 

منذ أشهر قليلة، أعلن الجيش أن جنوب الليطاني صار خالياً من الحزب وصواريخه ومخازنه ومن ذريعة إسرائيل، أي أنه نفّذ حصته من الاتفاقية التي وقع عليها لبنان متمثلاً بالأخ الأكبر الذي اختاره الحزب متكلماً باسمه، نبيه بري. ونحن المشككين صدّقنا، لأننا أردنا أن نصدق دولتنا. لماذا إذاً لا يتحمل الجيش مسؤولية هذا الإعلان الذي تبين أنه غير دقيق؟ متى سيكون جيشنا جيشاً؟ وكيف سنسحب ذريعة حزب الله بأن الدولة غير قادرة على حمايتنا، الذريعة التي يتعاظم الحزب في  ظلّها...

 

أنا لا يمكنني اختيار البقاء في قريتي.

تقع قريتي شمالي الليطاني، وبعض أهلها ما زال فيها لأن لا مكان آخر يلجأون إليه. أنا غادرت لأن لديّ مكاناً آخر أقصده. لو كنت مثل أبناء قرية الرميش مثلاً، متأكدة من عدم تواجد الحزب في قريتي، وبالتالي كونها خالية من حجّة الجيش الإسرائلي ومُحَيّدة عن خطط الاحتلال والغارات، لبقيت فيها. ولقلت: ها أنا التي لطالما كنت ضد الحزب، ولطالما كنت مع محاولات الدولة، أتشبث بأرضي. لكن يبدو أن الدولة أيضاً، كالحزب، ليست مع خيار التشبث بالجغرافيا.

 

الحزب يواجه كونه اختار المواجهة منذ البداية (بإرادته الحرة أو رغماً عنه تنفيذاً لأمرٍ إيراني، لا فرق كبيراً). والدولة تنسحب لأن الحرب لم تكن خيارها. والناس عالقون بين الخيارين. الشيعة نازحون ومشردون، والمسيحيون صامدون صموداً مأسوياً.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث