"باخد حبة ولا حبتين؟ الحبة بطّلت عم تعمل مفعول.. حاسة حالي عم موت وجايي عبالي ابكي".
هكذا، وبلا مقدمات، انفجرت الرسالة في شاشة الهاتف في منتصف ليل بيروت الثقيل. لا يسأل الصديق هنا عن "بروتوكول" طبي، بل يطلب إذناً شرعياً لرفع "جرعة الهرب" من واقع لم يعد يُحتمل. هو لا يريد الانتحار، هو فقط يريد أن "ينطفئ" قليلاً، أن يُخرس الضجيج في رأسه، ذاك الذي يتداخل فيه صوت طائرة الاستطلاع بصوت عدّاد الانهيار المعيشي.
في جلساتنا، صرنا جميعاً أشباه صيادلة. نتبادل أسماء المهدئات، كما كنا نتبادل عناوين الكتب والأفلام. تمرّ أسماء مثل Xanax وCipralex وLexotanil بسهولة في الأحاديث، بلا شرح، بلا تردّد.
"بطّلت تنفع"، "بدها زيادة"، "خفّفت الجرعة". الجُمل التي كانت تُقال همساً، صارت تُقال على الطاولة، بين فنجان قهوة وضحكة سريعة. لم يعد الدواء مجرد علاج، بل صار الانتماء الجديد. في بلد انقسم حول كل شيء، وحَّدَنا الـ"سيبيرالكس"، وها نحن نتبادل النصائح حول الأعراض الجانبية بكرَم بالغ، كأننا نتحدث عن الطريقة الأفضل لإعداد القهوة. صار الدواء هو الوطن البديل الذي نلجأ إليه
حين تضيق بنا الجغرافيا، والعملة الصعبة التي نشتري بها بضع ساعات من السكينة الداخلية.
في هذا العالم الصغير، لا أحد يدّعي أنه بخير تمامًا، لكن أحداً لا ينهار بالكامل. هناك منطقة وسطى، رمادية، نقيم فيها جميعاً. نضحك، نخرج، نكمل يومنا، ونؤدي نسخة مقبولة من أنفسنا. كل شيء يبدو عادياً من الخارج، إلى حدّ يصعب معه تصديق ما يحدث في الداخل.
تتحدث المقالات النفسية الأجنبية، وتحديداً تلك التي تتناول الصحة النفسية في مناطق النزاع، عن مفهوم نمط البقاء (Survival Mode). يخبرنا العِلم أن الدماغ، حين يشعر بتهديد وجودي مستمر، يغلق صمّامات المشاعر الزائدة ليركز على النجاة. هذا هو بالضبط ما نعيشه: اكتئاب غير واضح. ليس الحزن الكلاسيكي الذي يجعلك تمكث في السرير وتبكي، بل هو الخدر الذي يجعلك تشاهد أشلاء البشر في الشاشة فيما تتناول عشاءك، ثم تشعر بالذنب لأنك لم تعد تشعر بشيء.
الاكتئاب هنا لا يسكن الرأس وحده، بل يستوطن الأجساد. تراه في الأكتاف المحنية لشباب في الثلاثين، في هزّة الساق العصبية تحت طاولات المقاهي، في العيون التي تلاحق أي طرد مشبوه أو هدير دراجة نارية عابرة. لقد صرنا أجساداً مبرمجة على الترقب. حتى في لحظات الحميمية أو الضحك، طرف العين يراقب الباب، والأذن تسترق السمع للسماء. هذا ليس اكتئاباً بالمعنى الرومانسي للكلمة، إنه استنفار حسي مُنهِك، يستهلك مخزون الأدرينالين حتى القطرة الأخيرة، ويتركنا جثثاً هامدة تمشي بقوة الدفع.
لقد كثرت الأمور فعلاً، ولم نعد نستطيع اللحاق بما يجري. لا نملك الوقت لنحزن على بيت سقط، لأن عشرة بيوت أخرى سقطت خلفه. وفي زحمة هذا الموت، يصبح اكتئابك الشخصي صغيراً، مخجلاً، وغير مرئي. لكن قبل هذا الخدر، هناك لحظة أخرى، أكثر حدّة: لحظة قصيرة يمرّ فيها شعور مباشر بـ"رح موت"، لا كفكرة درامية، بل كإحساس جسدي مفاجئ. تسارع دقات القلب، ضيق النفَس، ارتباك لا
يمكن تفسيره. لحظة تُفتح فجأة، ثم تُغلق. لا شيء يحدث بعدها. تكمل يومك، تردّ على رسالة، تخرج من البيت، كأن شيئاً لم يكن.
المشكلة الأكبر في هذا الاكتئاب الجماعي هي أن أحداً ليس متاحاً لأحد. في الحالة الطبيعية، يحتاج المكتئب إلى آخر يسمعه، إلى حضن أو كتف. لكن، في حالة الحرب، الكتف الذي تريد الاستناد إليه، هو نفسه مُثقل بالأنقاض. الكل يغرق، فمَن سينقذ مَن؟
هنا تبرز فكرة المحللة النفسية بولين بوس حول "الخسارة الغامضة" (Ambiguous Loss). نحن نعيش في حالة حداد مستمر على أشياء لم تمُت تماماً، لكنها لم تعد موجودة: أماننا، روتيننا، أحلامنا التي كانت بسيطة قبل عام. هذا النوع من الفقدان لا طقوس جنازة له، ولا مُعزّين يقفون في الصف ليقولوا لك: البقية في حياتك. أنت وحدك في غرفتك، تحاول أن تفهم لماذا تشعر بضيق في صدرك رغم أن بيتك ما زال قائماً، فتشعر بالخجل من حزنك لأن هناك مَن فقد كل شيء.
المفارقة أننا نتحدث عن هذا الاكتئاب طوال الوقت. في مجموعات الواتسآب. بين النكات السمجة والشتائم السياسية، هناك اعترافات مبطنة بالانهيار. نحن "نادي المنهارين المجهولين" الذين يرتدون ثياباً أنيقة ويذهبون إلى أعمالهم ويضحكون في المقاهي، بينما في الداخل، مدينة كاملة تحترق.
لسنا بخير تماماً. لكننا أيضاً لسنا منهارين كما يجب. لا نُعتبر أكثر من "عدد" لا يملك حتى أدوات الانهيار. نحن العالقين في المسافة الفاصلة بين الحبة الأولى والحبة الثانية، ننتظر مفعولاً قد لا يأتي، في مدينة لا تملك ترف أن تنهار دفعة واحدة.




