"الإعلام يقول ما يتمناه، لا ما يفترض أن يقوله". قد تكون هذه العبارة التي أدلى بها خبير بالتواصل الإعلامي في اسبانيا، أدقّ ما يمكن أن يُوصف به الإعلام اللبناني، ليلة تغطية الاعتداء الاسرائيلي على شقة في عين سعادة، شرقي بيروت. تضاربت الروايات، وعاش اللبنانيون على إيقاع شائعات وتحليلات تحولت الى وقائع، واستدرجت نواباً ومسؤولين حزبيين وسياسيين، للبناء عليها، واعتبارها جزءاً من الفرضيات الأمنية.
قبل ساعات من استهداف عين سعادة، قال رئيس الجمهورية جوزاف عون: "السلم الأهلي خط أحمر، ومَن يحاول المسّ به فهو يقدّم خدمة لإسرائيل". سرعان ما ردت إسرائيل عليه بتفجير الاحتقان. وفي التصريح نفسه، قال عون: "بعض الإعلام يلعب دوراً مدمّراً". وردّ عليه هذا "البعض" أيضاً بتغطية لا تلتقي مع المعايير المهنية والوطنية. تحولت التغطية الى أسئلة سياسية، ولم تأخذ في الاعتبار مشاعر عائلة فقدت والدها ووالدتها في استهداف يخالف كل القوانين الإنسانية.
من المستهدف؟
الحال أنه، بعد أقل من نصف ساعة على الاستهداف، وصل الإعلام سريعاً الى الموقع في عين سعادة، ليسأل عن الشخص المستهدف في الغارة، ومن أسكنه في أحد مباني "المشروع الماروني". لم تكن المهمة تتطلب السؤال عن الجهة المعتدية. بتاتاً، لم تظهر أي عبارة تدين إسرائيل التي تقصف الأماكن الآمنة. كانت التغطية أشبه بمحقق، يتقصى المعلومات من الانفعالات، ويعرضها للرأي العام الذي لا يحتاج من يغذي غضبه أصلاً، على ضوء الاصطفافات السياسية والمذهبية في البلاد، بعدما دفعت بها الحرب الأخيرة نحو إطاحة مكتسبات السلم الأهلي الهش، والعيش المشترك المزعوم!
"هناك مستأجر خرج من الشقة قبل استهدافها". يقول إعلامي، وتنقل مجموعات "واتسآب" عن صحيفة مرموقة: "الهارب بعد قصف الشقة في عين سعادة "مشبوه تماماً"، وربما تتكشف وقائع خطيرة عنه"، فيما تتكفل قناة تلفزيونية أخرى للجزم بأنه "عامل توصيل طلبات فرّ مذعوراً إثر الاستهداف".
في الميدان، يسأل مراسل تلفزيوني صاحب الشقة: "لماذا استهدفت الشقة إذا كانت خالية من المستأجرين؟"، ويتكرر السؤال لرئيس البلدية بتمهيد: "من المعروف أن الجيش الإسرائيلي لا يستهدف إلا أشخاصاً محددين بطريقة بالغة الدقة".. وفي السياق، تسأل مراسلة، جيران المبنى المستهدف عن هوية السكان، وكأن هناك أمراً محسوماً بأن إسرائيل يستحيل أن تستهدف شخصاً من خارج منظومة "حزب الله".
معلومات مضللة
عاش اللبنانيون على إيقاع المعلومات المتضاربة، والمعطيات المضللة. تكفلت مجموعات "واتسآب" بنقل اي تصريح، أو فرضية أو تحليل، وقدمتها بوصفها حقيقة ثابتة. وحين تُنقل عن مراسل تلفزيوني، تتخذ زخماً ومصداقية أكبر.. فيما الواقع أن المراسلين، يخلطون بين المعلومة، والتحليل، خلافاً لمعايير المهنة المتعارف عليها في كل مكان في العالم.
تفرض تلك المعايير على المراسلين التمييز بين المعرفة والاعتقاد. المعرفة، ناتجة عن شهادات لأشخاص في موقع الحدث، مشاهدات ميدانية، معلومات مستقاة من أجهزة رسمية، ومن مصادر موثوقة. أما الاعتقاد، فهو ناتج عن تحليل للمعلومات والمشاهدات، وتفسير المعطيات المؤكدة ضمن تحيزات سياسية، وتأويلها بما يتلاءم مع الاصطفافات أو ما يؤكد تصورات المراسل عن الحدث. وخلافاً لمبدأ "تقليل الضرر"، ذهب مراسلون إلى نشر فرضيات تثير الذعر وتغذي الهواجس، على اعتبار أن ما قام به الصحافي، يكشف معلومات حساسة يمكن أن تساعد الأجهزة الامنية في التحقيقات، علماً أن الجيش اللبناني، نفى معظم الروايات التي انتشرت في الإعلام وفي تغطيات المراسلين.
قد يكون ذلك، من أبشع تطبيقات التعامل الإعلامي مع الأزمات، والتي يفترض أن تكون التغطية فيها موثوقة ومتعددة وقابلة للتحقق.
معلومات في تغطية الأزمات
والموثوقية ناتجة، عُرفاً، عن مصدر المعلومات الذي يجب أن يكون رسمياً، أي أن يصدر عن الأجهزة الأمنية والعسكرية والبلديات، وهي مصادر سريعة ورسمية، ويفترض أن تكون محايدة ومنزّهة عن هوامش الخطأ، فيما تحتاج روايات الشهود الى توصيف الحدث، لا تحليله. فالشاهد يقدم معلومة، وليس موقفاً، خلافاً للخبراء والباحثين الذين قد يقدمون وجهات نظر، تحمل إحاطة بالحدث وتداعياته، ولا تلزم المحطة أو المراسل بموقف. وفي تغطية الأزمات التي تتيح تعدد المصادر، يتوجب على المراسل التحقق قبل النشر، وتجنب التضليل والانحياز والاصطفاف والتهويل، وهو ما لم يُطبّق في تغطية استهداف عين سعادة.
غرقت وسائل الإعلام في التحليل، وانجرف المراسلون الى التحيز والعواطف. هذا الواقع ساهم في تغذية الاصطفافات، وزاد الاحتقان ضد النازحين، حسبما ظهر في فيديوهات انتشرت بعد الحادثة، ما يوجب دفع وسائل الإعلام الى خيارات مهنية أدق في التعامل مع الأزمات، ويفرض عليها تطوير مهارات مراسليها والعاملين في التحرير الذين يرسلون الأخبار العاجلة.. تلك البديهيات، يمكن أن تعالج مصدراً أساسياً للتضليل والاحتقان، ريثما يتم إيجاد حل نهائي وحاسم للمجموعات الإخبارية.
