نجوم "السوشيال ميديا" يتحولون الى الإغاثة: بديل عن الأحزاب

فاطمة البسامالأحد 2026/04/05
Image-1775390105
نازحة من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في وقت تراجعت فعالية الأحزاب التقليدية ومحدودية قدرة الدولة، ظهر مؤثرون في مواقع التواصل الاجتماعي، في مهمة إغاثة النازحين وتوزيع المساعدات عليهم.. قدم هؤلاء عرضاً مختلفاً عما درجت المبادرات الانسانية على تقديمه، لناحية الصورة والنوع والكيفية، واستقطب هؤلاء، في عروضهم، المانحين الذي أغدقوا عليهم بالتمويل، في واحد من أبرز مشاهد التغيير في العقلية اللبنانية.

والتغيير، يتمثل في أن ثقة المانحين بمؤثري مواقع التواصل، تخطت الأحزاب نفسها. بات هؤلاء وجهة للدعم، خلافاً للوجهة السابقة التي كانت تتمثل بالمنظمات والجمعيات الأهلية، وبالأحزاب السياسية. يصور المؤثر عمله، بما يثبت للمانح أنه بالفعل يقوم بالمهمة، ويعزز الثقة به.. وفي المقابل، يغدق المانح الأموال عليه، بعدما يتقين بأن المؤثر نفسه استنفد أمواله الشخصية، وتثبَّت من أن المؤثر في مواقع التواصل لا يمتلك طموحاً سياسياً، أي أن المساعدات لن تُستثمر عائداتها في الانتخابات.

Image-1775390066
تحضير وجبات الطعام للنازحين في بيروت (غيتي)

المؤثرون كبديل طارئ للدولة

في واحد من مقاطعه المصورة، يرفض خبير التجميل فؤاد حيدر شحنة مساعدات قدمها له أحد المانحين، لأن شكل المعلبات فيها غير مناسب. يقول له إن النازحين يستحقون أفضل السلع، وأنه حفاظاً على كرامتهم، يجب استبدالها. 

حازت مبادرته على تأييد كثيرين.. فقد تحرك، كاستجابة فورية لواقع منهار، ويمضي بها منذ مطلع الحرب. يقول حيدر في حديثه لـ"المدن"، إنّ المبادرات التي أطلقها مؤثرون وناشطون لم تكن وليدة تخطيط مسبق. ويشير إلى أنّ "الصوت" الذي يمتلكه هؤلاء عبر منصاتهم مكّنهم من الوصول السريع إلى المتبرعين، خصوصاً في ظل شحّ المساعدات عبر القنوات الرسمية.

يقول حيدر إنّ المؤثرين "أخذوا مكان الدولة" خلال الأسابيع الأولى من الحرب، حيث غابت الاستجابة المؤسسية بشكل شبه كامل، قبل أن تبدأ بعض الجهات الرسمية والمنظمات بالدخول لاحقاً. لكن خلال تلك الفترة الحرجة، تولّت المبادرات الفردية الجزء الأكبر من العمل الإغاثي، من تأمين الفرش والحرامات إلى توزيع الغذاء والمياه.

هذا التحوّل لم يكن مجرد صدفة، بل نتيجة تراكم ثقة رقمية بناها المؤثرون مع جمهورهم على مدى سنوات. إذ باتت العلاقة بينهم وبين المتابعين قائمة على تواصل مباشر، سريع، وشفاف، مما جعلهم خياراً مفضلاً للمتبرعين مقارنةً بالمؤسسات التقليدية.

 

اقتصاد التبرعات… بين الفردي والعشوائي

رغم حجم الجهود، يكشف حيدر عن جانب أقل ظهوراً في هذا المشهد، يتمثل في محدودية الموارد. فخلافاً للاعتقاد السائد، لم تكن الأموال المتدفقة كبيرة كما يُشاع، بل اعتمدت الكثير من المبادرات على تمويل شخصي وديون، في ظل فجوة هائلة بين حجم الاحتياجات وعدد النازحين من جهة، وحجم التبرعات من جهة أخرى.

ويعطي مثالاً: "إذا كان هناك 250 ألف نازح في منطقة واحدة، فإنّ تبرعاً بقيمة 20 ألف دولار لا يكفي إلا لتغطية نسبة ضئيلة جداً من الاحتياجات". ويسلّط ذلك الضوء على طبيعة هذا "الاقتصاد الإنساني" الهش، الذي يقوم على مبادرات فردية غير مستدامة.

إلى جانب ذلك، شكّل غياب التنسيق بين المبادرات تحدياً أساسياً. فكل جهة كانت تعمل بشكل منفصل، وفق قدراتها وشبكاتها، ما أدى أحياناً إلى توزيع غير متوازن للمساعدات. ويقرّ حيدر بأنّ "العشوائية كانت حاضرة"، لكنّها، برأيه، نتيجة طبيعية لحرب مفاجئة وانهيار شامل، لا لخلل مقصود.

 

من المال إلى السلع: نموذج جديد للتبرع

والمؤثرون، الذين كانوا حتى وقت قريب جزءاً من الاقتصاد الرقمي والترفيهي، تحوّلوا فجأة إلى وسطاء إغاثة، يقودون حملات تبرعات، وينسّقون عمليات توزيع، ويؤسسون لشبكات دعم موازية، ملأت فراغاً واسعاً تركه الغياب الرسمي.

يقدّم صانع المحتوى حسن رعد نموذجاً مختلفاً، يعتمد على تحويل النفوذ الرقمي إلى شراكات مع القطاع الخاص. فمنذ الأيام الأولى، أعلن عن استعداده لفتح منصته أمام الشركات مقابل تقديم مساعدات عينية، ما سمح بتأمين كميات كبيرة من المواد الأساسية من دون الاعتماد فقط على التبرعات المالية.

هذا النموذج، الذي يجمع بين التسويق والإغاثة، أثبت فعاليته في بيئة تعاني من شح السيولة. إذ ساهمت العلاقات المهنية التي بناها رعد سابقاً في استقطاب شركات قدّمت منتجات وخدمات مقابل الترويج، مما خلق شبكة دعم مستمرة.

ويشير رعد إلى أنّ قوة هذا النموذج تكمن في استدامته النسبية، حيث يمكن تكراره مع كل حملة، إضافة إلى دوره في تسريع الاستجابة، خصوصاً في حالات الطوارئ.

 

الشفافية عنوان الثقة

تكشف تجربة الحرب في لبنان عن تحوّل عميق في بنية العمل الإنساني، حيث انتقل مركز الثقل من المؤسسات إلى الأفراد، ومن التنظيم إلى المبادرة، ومن السرية إلى الشفافية الرقمية. وبينما نجح المؤثرون في ملء فراغ حاد وخلق شبكات دعم فعّالة، يبقى هذا النموذج هشاً، غير منظم، ومعرّضاً للتراجع مع تآكل الموارد.

والحال أن أحد أبرز عناصر نجاح المؤثرين كان اعتمادهم على الشفافية الرقمية. فتوثيق عمليات التوضيب والتوزيع عبر الفيديوهات و"الستوريز" لم يكن مجرد عرض، بل أداة لبناء الثقة.

المتبرع، في هذا السياق، لا يكتفي بتحويل المال، بل يراقب مسار مساعدته لحظة بلحظة. هذه العلاقة المباشرة، التي تتيحها وسائل التواصل، منحت المؤثرين أفضلية واضحة مقارنةً بالمؤسسات التي تفتقر غالباً إلى هذا المستوى من الانكشاف. كما ساهم هذا التوثيق في تحفيز مزيد من التبرعات، إذ يشعر المتابع بأنه جزء من العملية، لا مجرد ممول بعيد.

 

"كميون الحب": الإغاثة كفعل إنساني

تجلّى هذا البعد الإنساني في مبادرات مثل "كميون الحب"، التي لم تقتصر على توزيع المساعدات، بل سعت إلى خلق مساحة دعم معنوي. من خلال الحضور الميداني اليومي، والتفاعل المباشر مع الناس، تحوّلت المبادرة إلى نقطة لقاء، خصوصاً للأطفال الذين وجدوا فيها متنفساً وسط القسوة.

هذا النموذج يعكس تحوّلاً في مفهوم العمل الإنساني، من مجرد تلبية احتياجات مادية إلى بناء علاقات إنسانية قائمة على القرب والتفاعل.

 

فجوة الثقة مع الأحزاب والمؤسسات

في موازاة صعود المؤثرين، برز تراجع واضح في دور الأحزاب والجهات التقليدية. ويعزو ناشطون هذا الأمر إلى فجوة ثقة متراكمة، حيث لم يعد المواطن يرى في هذه الجهات الحزبية مرجعاً موثوقاً، خصوصاً في ظل غياب نتائج ملموسة على الأرض.

الناشط سمير رصاص يشير إلى أنّ مبادرته انطلقت من هويته الشخصية على وسائل التواصل، معتمداً على شبكة علاقاته وثقة متابعيه، مما مكّنه من جمع عشرات آلاف الدولارات وتوزيعها على شكل مساعدات متنوعة.

ويضيف أنّ "هوية الشخص" باتت تلعب دوراً أساسياً في جذب التبرعات، في ظل تحوّل الثقة من المؤسسات إلى الأفراد. فالمؤثر، بخلاف الحزب أو الجمعية، يظهر يومياً، يتفاعل، ويوثّق، ما يجعله أقرب إلى الناس وأكثر قدرة على فهم احتياجاتهم.

في المحصلة، لا يمكن لهذه المبادرات، مهما بلغت فعاليتها، أن تحلّ مكان دولة غائبة أو نظام إغاثي مستدام. لكنها، في لحظة الانهيار، شكّلت خط الدفاع الأول، وأعادت تعريف معنى التضامن، حين يصبح "اللايك" وسيلة نجاة، و"الستوري" جسراً بين الحاجة والقدرة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث