ساندريلا عازار عن فيديوهاتها: الحرب أيضاً إحساس يجب أن يُحفظ

صفاء عيّادالسبت 2026/04/04
Image-1775236155
نازحون عند واجهة بيروت البحرية (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

في ظلّ واقعٍ قاسٍ يطغى على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تختلط صورة الحرب القاتمة بخطاب تحريضي متصاعد، وتتراجع اللغة الإنسانية، برزت مبادرات فردية تحاول إعادة الاعتبار للصوت الإنساني في مقابل خطاب بعض اللبنانيين الذين يتعاملون مع الحرب بوصفها بعيدة منهم ولا تعنيهم. 

 

في هذا السياق، بدأت الصحافية ساندريلا عازار تصوير سلسلة فيديوهات توثيقية، تستضيف فيها صحافيين عاشوا تجربة النزوح، واختبروا قسوة مغادرة منازلهم على عجل، من دون ثياب أو أغراض، وحتى من دون صندوق الذكريات، أي الصور التي تحتفظ بها كل عائلة في المنزل.

تقول عازار لـِ "المدن"، إنّ فكرة الفيديوهات لم تكن قراراً، بل ردّ فعل، حين بدأت تتلقى رسائل من أصدقائها في اليوم الأول للحرب، يقولون فيها: "تركنا البيت... نزلنا إلى بيروت... ما معنا شي". كان وقع هذه الجمل القصيرة ثقيلاً عليها، لتكتشف أن ما سمعته من هؤلاء هو جزء من عائلتها التي تعيش معها، ولها معهم حياة يومية. تضيف عازار أن القصص المصوّرة التي اختارتها لا تندرج في إطار التغطية التقليدية للحرب: "أريد أن أحمي هذه اللحظات من النسيان، لأن الحرب ليست فقط انفجارات، بل هي لحظة خروج، لحظة خوف، لحظة فقدان لا يُحكى عنه في نشرات الأخبار". 

 

جنوبية ليست من الجنوب

وثّقت عازار، في فيديوهاتها، ما يقوله قلب كل جنوبيّ: إحساسه بالقرية وما تعنيه له، خوفه من خسارة منزله، وغياب شعور الطمأنينة. كما سلّطت الضوء على الصحافيات الأمهات من الجنوب، وعلى البلدات التي ينتمين إليها، فقُلن ما لا يستطيعن قوله في كتاباتهن أو تغطياتهن الصحافية.

عازار، وإن لم تكن ابنة الجنوب، تعكس في فيديوهاتها انتماءً واضحاً إليه. تقول: "قد لا أنتمي جغرافياً إلى الجنوب، لكنني أنتمي إلى هذا البلد. الجنوب ليس منطقة أخرى بالنسبة إليّ، بل هو جزء مني. أنتمي إلى كل شبر فيه، إلى كل قرية، إلى كل حكاية. عندما أصوّر شخصاً من الجنوب، لا أتعامل معه كآخر، بل كجزء منّا، من ذاكرتنا الجماعية. وربما لأنني لست من هناك، أحاول أن أستمع أكثر مما أتكلم، وأن أترك للناس مساحة يروون فيها قصصهم بأصواتهم، بلغتهم، وبوجعهم". 

 

أما لماذا اختارت عازار توثيق تجارب الصحافيين تحديداً؟ فتقول: "صحيح أنني صحافية، لكني في هذا المشروع إنسانة أبحث عن الذاكرة. دورنا في هكذا لحظات ليس فقط نقل ما يحدث، بل أن حفظ كيف نحسّ به، لأنه بعد سنوات قد تُحفَظ الأرقام، لكن الإحساس يُنسى، وأنا لا أريد لهذا الإحساس أن يضيع". وتضيف: "غالباً ما ننسى أن الصحافي الذي يغطي القصة هو جزء منها، وليس مجرد متفرج يراقب من بُعد. هؤلاء الصحافيون تهجّروا وتركوا منازلهم، ومنهم أمهات يشعرن بالخوف على أولادهن، ويحملن هذا الخوف ويكملن عملهن في الوقت نفسه". 

 

وترى عازار أنَّ إعادة الصحافيين إلى واجهة الصورة، لا بوصفهم ناقلين للحدث فقط، بل كأشخاص لديهم قصص وخوف وخسارات، أمر ضروري، لأن من يروي القصة هو أيضاً يعيشها.

تلقت عازار ردود أفعال متباينة نتيجة التفاعل الكبير مع القصص المنشورة. فبينما عبّر كثيرون عن شعورهم بأنهم يعيشون القصة، لجأ آخرون إلى التشكيك واتهامها باستغلال هذه القصص لتحقيق نسب مشاهدة أعلى. غير أنّ هذا النمط من الردود، برأيها، يعكس طبيعة المشهد العام في البلد، حيث يرافق أي طرح، قدرٌ من الهجوم والتشكيك: "العمل في الفضاء العام، وسرد القصص وإبداء الآراء، يفرض بالضرورة امتلاك قدرة على تحمّل النقد والتعامل معه".

 

وبالرغم من ذلك، يبقى الأثر الأهم بالنسبة إليها، هو ما حرّكته هذه القصص لدى الناس: "الأكثر تأثيراً كان أنّ الناس بدأت تتكلم وتتذكّر، كأن هذه الفيديوهات فتحت باباً لشيء كان مغلقاً داخلهم". وتؤكد أنّ هذا التفاعل الإنساني يتقدّم في أهميته على أي أرقام أو نسب مشاهدة.

 

100 شهيد = 100 قصة

أنسنت ساندريلا عازار الحرب، وخلقت مقاربة جديدة للتغطية الإعلامية خلال الحرب، قد تبدو لجيل وسائل التواصل الإجتماعي أفضل من نشرة أخبار مطولة. من هنا تقول عازار: "تُعدّ أنسنة الحرب مسألة أساسية، وربما الأهم، فالحرب، قبل أن تدمّر البيوت، تُجرّد الناس من إنسانيتهم، وتحيل قصصهم أرقاماً وإحصاءات وخرائط، ومصطلحات من قبيل: الخسائر الجانبية. وهي لغة قد تُخفّف وقع المأساة على المتلقي، لكنها تُضاعف قسوتها على من يعيشها".

 

وتضيف: "حين يُعلن استشهاد 100 شخص، يتحوّل هؤلاء إلى رقم واحد كبير، فيما هم في الحقيقة مئة قصة، ومئة بيت، ومئة أمّ ربما ما زالت تنتظر عودة ابنها. هم أشخاص كانت لهم تفاصيل يومية عادية: قهوة الصباح، عمل، وأحلام صغيرة أنسنة الحرب تعني إعادة هؤلاء من الرقم إلى الوجوه، ومن خبر عابر إلى أصوات، ومن مشهد إلى ذاكرة. فالخطر لا يكمن في الحرب وحدها، بل في الاعتياد عليها، وفي المرور على أخبارها من دون إحساس". 

شيء ينكسر في كل جملة

يشكّل التوثيق والاستماع وإتاحة المجال للناس لسرد قصصهم، شكلاً من أشكال مقاومة الاعتياد، وتأكيداً على أن ما يحدث لا يطاول أرقاماً، بل بشراً. وبحسب عازار: "الحفاظ على هذا البُعد الإنساني، في ظل الظروف القاسية، ليس ترفاً ولا خياراً مهنياً فحسب، بل مسؤولية أخلاقية. ففقدانه يعني، بشكل أو بآخر، المساهمة في تطبيع العنف، بينما الحقيقة أنَّ ما يجري لا يصيب أماكن، بل ناساً يشبهوننا، كانت لهم حياة قبل الحرب، ويحاولون الاستمرار بعدها".

 

أما أكثر الفيديوهات التي أثّرت في عازار، هي التصوير مع الصحافية إيمان العبد: "جلست إيمان أمامي تتحدث عن قريتها بليدا الحدودية، لكنّ ما قالته لم يكن بالكلمات فقط، كان هناك شيء ينكسر في كل جملة. بدا صوتها هادئاً، لكنه محمّل بثقل ما فقدته. لم تبكِ، غير أنَّ ما شعرت به كان أعمق من الدموع، ذلكَ الحزن الذي لا يظهر بسهولة، ويظلّ عالقاً في الداخل. في تلكَ اللحظة، بدا واضحاً أنَّ هذا الفيديو ليس مجرد توثيق، بل شهادة على لحظة انكسار إنسانة". 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث