لا يمكن النظر إلى المواجهة بين الإعلامي غدي بوموسى، والمعالجة النفسية ناتالي أندراوس، إلا من زاوية "الكمين الإعلامي" الذي أعده بوموسى لضيفته، مهما ساق لها من تبريرات، أو برّأ نفسه من هذه التهمة.
فأندراوس التي سبق أن هاجمت بوموسى في تغريدات سابقة، كانت ضيفة، ليل الأربعاء، في منزله، ولا يستدعي العتاب مواجهة على الهواء تتضمن إحراجاً للطرفين، إذ ظهرت أندراوس على أنها "ناقدة غير مسؤولة"، تشخصن القضايا ضمن إطار انتقاها له، فيما ظهر بوموسى على أنه ينتظر ضيفته في الاستديو لتقريعها وتحجيمها على الهواء وأمام جموع المشاهدين.
كان المشاهد في غنى عن "نقاش"، أجادت قناة "الجديد" التسويق له، حين اقتطعت اللحظة من البث التلفزيوني، وحولتها مادة للاستهلاك في مواقع التواصل، يمكن أن تحصد الاعجابات وتستقطب المشاهدات. "الجديد" هي الطرف الرابح الوحيد في معركة تلفزيونية، بدت تصفية حساب شخصي، فتم إدخال المشاهد في تفاصيلها وتحول مشاركاً في صناعتها، عندما باتت مادة سجال في الحيز العام.
صحافة التربّص
والحال أن "صحافة التربص" Ambush journalis أو ما يُعرف بالكمين الإعلامي، هو نموذج موجود، ولو أنه غير شائع في الصحافة العربية. مارسه بوموسى، حين فاجأ الضيف بأسئلة مباشرة وغير متوقعة على الهواء، ومن دون ترتيب مسبق أو موافقة على محور النقاش. والحال إن هذا الأسلوب يمكن أن يعتبر مُجدياً، بل مهماً، حين يتعلق الأمر بإحراج مسؤول أو شخصية عامة في موضوع هو شأن عام، وذلك على سبيل نوع من المحاسبة المدنية، حيث يكون الإعلامي ممثلاً -بأسئلته- الجمهور وهواجسه وحقوقه.
لكن هذه المباغتة بأسئلة محرجة، أراد منها بوموسى اختبار رد الفعل الحقيقي في موضوع يمسّه هو، ذاته، إضافة إلى جذب الانتباه عبر لحظات درامية من قبيل شجارات الجيران عبر الشرفات. وهو ما أنتج عرضاً تلفزيونياً مشوقاً بدا وكأنه محاسبة علنية ومفاجئة على "قيل وقال"، ولضيفة لا تعني -بشخصها- الجمهور العريض في شيء! نجح بوموسى في ذلك، لكن بالمعايير المهنية والأخلاقية، هل أخطأ؟
لماذا جاءت أندواس؟ ولماذا هيمن عليها بوموسى؟
في ضفة المشاهدين، يُطرح سؤال الصواب والخطأ.. كذلك يسألون إذا كانت أندراوس أخطأت في الموافقة على المشاركة كضيفة في الحلقة. تنقسم الآراء، وتفضي جميعها الى أن الضيفة أخطأت، طالما أنها تمتلك سجلاً حافلاً من النقد القاسي تجاه مقدم شاب، وحضرت من دون مصالحة مسبقة، أو على الأقل، جلسة مكاشفة واعتراف، تنتهي الى طي صفحات الماضي، وهو ما يجري عادة في الحلقات التلفزيونية.. وبدا أن أندراوس كانت تتوهم مصالحة لم يتم التمهيد لها بمكاشفة مسبقة، على قاعدة طي صفحة الخلاف، بمجرد الدعوة للاستضافة. وإلا فلماذا وافقت أن تحلّ ضيفة على إعلامي لا يعجبها خطّه وأسلوبه؟ هل تغلّبت غواية الظهور في الشاشة على الاتساق الذاتي مع مواقفها السابقة؟
أما بوموسى، فقد أخطأ بالتأكيد، لأنه ظهر على أنه يعاتب على الهواء، ويصفي حسابات شخصية مع ضيفته، وأشرك الناس في خلاف شخصي، وهم الذين يفترض ألا يهمهم هذا الأمر، لا سيما في ظل ما يعيشونه راهناً من حرب وأزمات متعددة.. فضلاً عن أنه، حين فشل في تسويق فكرته وإبعاد الاتهامات عن نفسه بأنه يصفي خلافاته معها على الهواء، اقترب بوموسى منها، حيث ظهرت لغة الجسد كشكل من أشكال الهيمنة المثيرة للقلق أو أقلّه عدم الارتياح، وكان يجدر به الإحجام عن تقديم هذا الانطباع الذي أدى في النهاية الى مغادرة أندراوس الحلقة...وكان الأجدر به أن يلتزم احترامه لنفسه ولاستديو برنامجه ولضيفته أياً كانت.. ناهيك عن احترام القناة التي قدّمت الإشكال، وكأنها فخورة به، على موائد سوشال ميديا لا تُسمَن ولا تُغني من جوع اللايكات.
