أنكبُّ مؤخّرًا على إعادة قراءة تشارلز بوكوفسكي. وكأنّه لا ينقصني، وسط زحمة الطائرات المُسيّرة، والغارات الفُجائيّة، والضجيج، والمُنظّرين، والمُحلّلين، والمصائب، و"الانتصارات"، والشجون العظيمة، إلّا أن أزيد على نفسي هذا الضغط البوكوفسكي. لكن لا بأس، حقًّا، أو كما يقول المثل الدارج: "القطّ بحبّ خنّاقه".
وعلى سيرة الخنّاق، أطرح على نفسي، منذ بداية هذه الحرب العبثيّة، سؤالًا واحدًا: لماذا أريد أن أبقى هنا؟
لماذا أنا، الّتي سعيتُ وحلمتُ بأن أُغادر هذا البلد، أنا "ابنة/مواطنة العالم" المزعومة، باتت لديّ، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، رغبةٌ في أن أبقى هنا؟
وما هذا الحُبُّ العرضيُّ، المندفع، والرّحبانيّ، شبه الأفلاطونيّ، للبنان؟
كم مرّةً يجب أن أتعلّم أن أُنصت إلى نصيحة: لا تتطرّفي في حبّ الأشياء، ولا تُبحري بعيدًا في التأمُّل؟
أصلًا، ما هذا اللبنان، الّذي يمنحك سببًا للعيش، ثمّ يجهد في سلبه منك؟
منذ أيّامٍ اشتريتُ لنفسي قلادةً فيها أرزة، وعلّقتها في رقبتي. ولعمري، فإنّ هذه الرقبة ليست وفيّةً أبدًا. فعندما كنتُ في أوج سنوات مراهقتي الفعليّة والسّياسيّة، لبستُ قلادة "المنجل والمطرقة"، وصرتُ، من فرط تمرُّدي و"يساريّتي" وقتها، أُظهرها، وأُقحمها في وجه القريب والغريب، لأقول للعالم: "أنا شيوعيّة"، "انظروا إليّ، أنا ش.ي.و.ع.يّة"، ظنًّا منّي أنّي أُربك الآخرين بتمرُّدي وتنوُّري... إلى أن جاءتني الصحوة المتأخّرة بأنّ شيوعيّتي هي أيضًا، على الأرجح، متأخّرة. على كلّ حال، أرتدي، منذ أيّامٍ، قلادة الأرزة، ومن جديد، وفي دورة مراهقة تالية، أُقحمها في وجه القريب والغريب، لأقول للعالم: "أنا لُبنانيّة"، "انظروا إليّ، أنا ل.ب.ن.ا.ن.يّة".
ما كنتُ أتخيّل، حتّى في أكثر لحظاتي العاطفيّة اندفاعًا، وأنا المشهورة بعاطفيّتي المُفرطة، أن أرتدي أرزة. أصلًا، ما الأرزة سوى شجرة، نبتة، فلماذا قد أضع نبتةً في عنقي بدلاً من فصّ ألماس، أو قلادةٍ ذهبيّة، مثلًا؟
لم أختبر لُبنانيّتي إلّا توًّا. لُبنانيّتي المُقطّرة، الّتي كنتُ أنفر منها دومًا، وأتخفّف منها، اندفعت فجأةً نحوي بكلّ كليشيهاتها، بكلّ فيروزيّتها، وغاباتها وثلوجها وسهولها وبحرها وندوبها وحبّات ترابها. لُبنانيّتي الّتي تُشبه مرضًا وراثيًّا، أو شبحًا داخليًّا قرّر فجأةً أن يقفز في وجهي بعد توارٍ طويل.
أخرج إلى العالم، إلى هذا الكون المُترامي، إلى هذا الفضاء الخاوي، بحبّ بقعةٍ جغرافيّة. وكأنّه ليس لي، من دون سائر الأشياء، إلّا أن أُحبّ لبنان، وأُحبّ أماكني، وشوارعي، ومُدني، وناسي، وذكرياتي، وسكراتي، وإحراجي، وخيباتي، والوجوه المُرهقة المُلفّعة بشمس المتوسّط، وهذه الحياة العنيدة والرّخوة في آنٍ معًا. أن أُحبّ هذه الشجرة الخضراء اليانعة، كي لا يبتلعني الرّماديُّ البشع. أن أُحبّ هذا العلم اللطيف جدًّا، أمام الأعلام الأخرى الكريهة، برموزها الساذجة أو العنيفة أو المتحجّرة. الحُبُّ الوثنيُّ الساذج لشجرة...في مواجهة الإيديولوجيّات الدمويّة.
رغم كلّ ما حصل، وما يحصل، وما هو في طور الحدوث، ورغم النكبات المتلاحقة والمتّصلة، ربّما ليس لي إلّا أن أُحبّ، كي لا أتعفّن داخليًّا، أو أذوي أمام فيض الكراهية.
أُعيد قراءة ما كتبت، فأشعر بقدرٍ كبيرٍ من الحماقة. لم أتوقّع أن أكتب، في حياتي، شيئًا يُشبه ما كتبته الآن، لكن لا بأس بذلك، لا بأس.
لا يعود يفرُق مع المرء شيءٌ، وهو واقعٌ -حرفيًّا- في الحُبّ.
إنّه الحُبُّ. أفليس "الحُبُّ كلبٌ من الجحيم"؟ بوكوفسكي؟ ما زلت معي؟




