الصحافيون في استراحة صور: أن تروي المأساة بلا انكسار

فاطمة البسامالثلاثاء 2026/03/31
Image-1774978467
الصحافيون في استراحة مدينة صور البحرية (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الجنوب اللبناني، حيث تختلط أصوات القصف بنداءات المسعفين، لا يقف الصحافيون على هامش الحدث، بل في قلبه. هناك، تتحول التغطية الإعلامية إلى تجربة وجودية، تتجاوز نقل الوقائع إلى معايشة يومية للخطر، والقلق، والانقسام الداخلي بين الإنسان والمهني. في زمن الحرب، لا يكون الصحافي مجرد شاهد، بل طرف في معادلة معقدة: أن يرى كل شيء، وأن يروي ما يرى، من دون أن ينكسر.

دقائق معدودة تفصل المراسل عن البث المباشر، يرتدي الدرع والخوذة، يقف على الضفة الثانية من الحدث، يشاهد بعينيه الإعتداءات الإسرائيلية، لينقل المشهد.

 

البياضة، الناقورة، القليلة، شمع، والائحة تطول، كلّها قرى وبلدات تحت النار، ولقرب مكان إقامة الصحافيين في استراحة مدينة صور، من خط النار. أصبحوا ينقلون الخبر وهم في داخله، لا بل يشاهدونه فور حصوله، فيصطف المراسلون كل أمام كاميراته من مدينة صور إلى المشاهدين. ولأننا في بلد يعيش على فوهة البركان، في كلّ مرّة تتحوّل "إستراحة صور"، إلى نقطة لتجمع الصحافيين العرب والأجانب، ومن على شرفة الإستراحة التي تطل على البحر، أصبحت تطل على الإعتداءات الإسرائيلية.

الميدان كحياة يومية

من مدينة صور، يروي المصوّر الصحافي كونت حاجو تجربته لـ"المدن"، التي بدأت مع اندلاع الحرب، ولم تتوقف منذ ذلك الحين. لم يغادر الجنوب، متنقلاً بين القرى الحدودية، من عيترون إلى كفركلا، مروراً برميش ووادي الحجير، في سباق دائم مع الغارات. يقول إنه تعرّض مرات عديدة للقصف المباشر، وأُصيب خلال إحدى التغطيات، مما استدعى خياطة جرحه بـ18 قطبة. ومع ذلك، لم يتراجع. بالنسبة إليه، لا تتوقف المهمة عند حدود السلامة الشخصية، بل تتجاوزها إلى "نقل الصورة كما هي"، مهما كان الثمن.

لكن خلف هذه الصلابة المهنية، تتكشف هشاشة إنسانية. عائلته تفرّقت بين النزوح والبقاء، بعضهم في بيروت وطرابلس، وآخرون عالقون في الجنوب. وبين القرى المدمرة، لم يكن يوثق فقط مشاهد الحرب، بل أيضاً خوفه الشخصي على من يحب.

الحرب تغيّر القواعد

بالنسبة إلى الصحافي حسين عزالدين، وهو مراسل قناة "العالم"، تختلف التغطية في زمن الحرب جذرياً عن أي تغطية أخرى. في الظروف العادية، يملك المراسل هامشاً من الهدوء والتحليل، أما في الميدان، فيتحول إلى عين مباشرة تنقل الحدث لحظة بلحظة. ويشير عزالدين إلى أن التوتر ليس الخيار الوحيد، بل إن الحرب تفرض على الصحافي مستوى أعلى من الانتباه والمسؤولية. فالمعلومة في هذا السياق قد تكون مسألة حياة أو موت، مما يجعل التحقق منها ضرورة مضاعفة، في ظل فوضى الأخبار وتضارب الروايات.

 

المراسل بين ذاته ومهمته

التحدي الأكبر لا يكون دائماً في الخارج. في كثير من الأحيان، يخوض الصحافي معركته الأصعب في الداخل. يوضح عزالدين أن الانقطاع عن العائلة، أو العجز عن الاطمئنان عليهم، يترك أثراً نفسياً عميقاً، لكنه لا يبرر التخلي عن المهنية. في الميدان، يُطلب من الصحافي أن يفصل بين مشاعره ومهمته، أن يؤجل قلقه الشخصي، وأن يتعامل مع الحدث ببرودة ضرورية. غير أن هذا الفصل يبقى مؤقتاً وهشاً، إذ تظل المخاوف حاضرة في الخلفية، حتى لو لم تظهر في التغطية.

 

مهنية تحت الضغط

تُختبر القيم الصحافية في الحرب، بشكل يومي. الدقة، الشفافية، وروح المسؤولية تتحول إلى شروط بقاء، لا مجرد مبادئ نظرية.

يشدد حسين عزالدين على أن الصحافي، رغم انتمائه إلى قضية بلده، مطالب بالحفاظ على الموضوعية، وعدم الانجرار وراء السرديات المبالغ فيها، أياً كان مصدرها. فالجمهور، كما يقول، لم يعد متلقياً سلبياً، بل شريكاً قادراً على التمييز، ما يفرض على الصحافي أن يكون أكثر التزاماً بمصداقيته.

السلامة… معادلة مستحيلة؟

يقول الصحافي علي الأحمر، وهو مراسل لقناة "الميادين"، إن تغطية الحروب تختلف جذرياً عن التغطيات العادية، مشيراً إلى أن "المسؤولية الأخلاقية تصبح مضاعفة، لأن الكلمة في زمن الحرب قد تنقذ حياة إنسان أو تنهيها". ويضيف أن "الدقة ليست مجرد عنصر أساسي في العمل الصحافي، بل تتحول إلى مسألة مصيرية، خصوصاً في العمل الميداني".

ويشرح الأحمر أن أحد أبرز التحديات يتمثل في تداخل الشخصي بالمهني، قائلاً: "في الحرب، نحن لسنا مراقبين فقط، بل جزء من الحدث. الخطر الذي يهدد الآخرين قد يطالنا في أي لحظة، لذلك نحاول قدر الإمكان الفصل بين ما نعيشه شخصياً وبين نقل الوقائع كما هي على الأرض". كما يشير إلى سرعة المتغيرات في الميدان، ما يفرض على المراسل "مواكبتها بأعلى درجات المهنية والدقة، إلى جانب الحرص على إبراز البعد الإنساني في التغطية". 

 

وعن تأثير العمل الميداني في الحياة الشخصية، يلفت الأحمر إلى أن "الابتعاد عن العائلة يشكل عبئاً نفسياً كبيراً، إذ يعيش المراسل قلقاً دائماً عليهم، كما يعيشون هم القلق عليه، خصوصاً أنه يكون في عين العاصفة". ويضيف أن هذا الواقع يولّد شعوراً بالعزلة: "تحت أصوات القصف وتحليق الطيران الحربي"، إلا أن المراسلين "يعوّضون ذلك بعلاقة تضامن قوية مع زملائهم، حيث يتقاسمون الخبز والخوف والتحديات".

 

وفي ما يتعلق باستهداف الصحافيين، يصف الأحمر ذلك بأنه "اختبار قاسٍ للغاية"، مؤكداً أن "التمسك بالمهنية في لحظات فقدان الزملاء هو ما يحمي الصحافي من الانهيار". ويشدد على أن "أفضل تكريم للزميل الراحل هو الاستمرار في أداء الرسالة التي استشهد من أجلها". ويختم بالتأكيد أن "الموضوعية لا تعني التخلي عن الإنسانية أو نصرة المظلوم، فنحن بشر قبل أن نكون مراسلين، لكن المهنية تفرض علينا نقل الحقائق كما هي، بعيداً من التزييف والانجراف العاطفي". ويضيف: "في هذه اللحظات، نحوّل الألم إلى توثيق، لأن مهمتنا أن نقدّم دليلاً واضحاً للعالم على ما يحدث، بعيداً من الشعارات".

 

في الجنوب، لا تفصل مسافة كبيرة بين الصحافي والضحية. كلاهما في مرمى النار، وكلاهما يعيش الحرب، كلٌ بطريقته. لكن ما يميز الصحافيين هو إصرارهم على البقاء في الميدان، لا فقط لنقل ما يحدث، بل لمنع سقوطه في النسيان.

في زمن تتكاثر فيه الروايات، تبقى شهاداتهم ضرورة، لأنها لا تكتفي بسرد الحرب، بل تكشف كلفتها الإنسانية، كما تُعاش يوماً بيوم.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث