مراسلون في إبل السقي: أرشفة اللحظة...والألم

نغم ربيعالاثنين 2026/03/30
Image-1774886611
مراسلو القنوات المحلية والفضائية في إبل السقي جنوبي لبنان (سوشيال ميديا)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن المراسل إبراهيم الغريب مهيّأً نفسيّاً لتغطية حرب طويلة، يتخلّلها قصف يومي واستهداف مباشر للصحافيين. ومع ذلك، استمرّ في عمله الميداني مستنداً إلى خبرة زملاء مخضرمين سبق أن خاضوا تجارب مماثلة على خطوط التماس، ويقيمون منذ أسابيع في بلدة إبل السقي الملاصقة لجبهات الاشتباك، وينقلون الوقائع من مسافات لا تتجاوز دقائق قليلة عن مواقع القصف، في منطقة بات التنقّل فيها شديد الصعوبة.

بين الإصرار على البقاء في الميدان، وتصاعد القلق من الكلفة النفسية الطويلة لهذا النوع من التغطيات، تتقدّم تجربة المراسلين المقيمين في إبل السقي بوصفها نموذجاً لصحافة تمارس تحت الضغط اليومي، وتستمر رغم المخاطر والتصعيد المتواصل، في ظل تحول استهداف الصحافيين أنفسهم إلى جزء من مشهد الحرب، مقابل تزايد الهواجس المرتبطة بالآثار النفسية العميقة لتغطية الحروب على المراسلين العاملين في الجنوب.

 

تجربة أولى على خطوط التماس

بالنسبة إلى مراسل قناة "الجديد" إبراهيم الغريب، هذه تجربته الأولى على خطوط التماس. منذ نحو 17 يوماً، يقيم في إبل السقي، ورغم إدراكه خطورة المهمة، قرّر الانتقال من البقاع إلى الجنوب بعدما عمل في بداية الحرب أياماً قليلة في البقاع. يقول: "كنت أعرف أن أهلي لن يحبّذوا الموضوع كثيراً، لكنني شعرت أن هذه فرصتي كصحافي في بداية مسيرتي حتى أصنع هويتي وأتمرس في نقل الحقيقة من دون تبنّي سردية طرف معيّن".

ويضيف: "لم أكن مجهزاً نفسياً قبل بدء الحرب. جسدياً أحاول أن أحصّن نفسي بالدرع والخوذة، لكنني في ذروة تعبي النفسي. القصف المدفعي قريب جداً علينا، والنوم قليل بسبب القصف والعمل".

التحدّي بالنسبة إليه ليس الخطر وحده، بل الجغرافيا أيضاً. فالجنوب الذي دخله كمراسل، احتاج إلى وقت لفهم تفاصيله الميدانية. يقول: "واجهتُ صعوبة لأنني لم أكن أعرف الجغرافيا. تعاونت مع الزملاء ورؤساء البلديات، ومع الوقت سلكت الأمور".

التعامل مع الضغط في الميدان

في البلدة نفسها، يقيم مراسل "التلفزيون العربي" رامز القاضي منذ أكثر من شهر، حاملاً معه خبرة تمتد أكثر من 15 عاماً في التغطية الميدانية. لكنّ هذه الخبرة الطويلة لم تُجنّبه صدمة التجربة الحالية. يقول: "التنقّل بات صعباً، خصوصاً بعد قطع طريق دبين–مرجعيون. القصف عشوائي ومكثّف، ونحن عملياً في قلب المشهد قرب الخيام مباشرة".

بالنسبة إليه، لا يمكن التعامل مع هذه الحرب كحدث منفصل عن تجارب الماضي. "الإنسان لا يمكنه أن يتجاهل صدمات الحروب السابقة. لكن هذا واجبنا اليومي، علينا أن نكون هناك لننقل الحقيقة". ومع ذلك، يضع القاضي معياراً صارماً للتغطية المهنية: "نضبط الانفعال على الهواء، لإيصال المعلومة إلى المشاهد، لا انفعال المراسل".

هدوء وتوازن

على المنوال نفسه، يوضح مراسل "تي آر تي" أحمد شلحة، المتواجد في إبل السقي منذ بداية الحرب، أن المراسل الميداني، وهو في قلب الحدث، لا يفكّر بصحته النفسية أو الجسدية أو المعنوية، إذ ينصب تركيزه بالكامل على تغطية الحدث وإبرازه بالصورة المناسبة.

يقول: "نحاول الحفاظ على هدوئنا وتوازننا، لكننا بشر. نتعرض لصدمات نفسية غالباً لا تظهر إلا بعد مغادرتنا الجنوب. أثناء الحدث، يكون ذهننا منشغلاً بالمهمة بالكامل. لكن بعد العودة إلى المنزل تبدأ آثار الضغط النفسي بالظهور: قلق، أرق ليلي، توتر عصبي، وصعوبة في التأقلم مع إيقاع الحياة الطبيعية. هذا يحتاج إلى وقت".

ويشرح أن حركة الفريق على الصعيد الشخصي محدودة جداً لتأمين الحاجات الأساسية، أما مهنياً فيستعيد محاولة التوجّه عبر طريق دبين يوم قُطع الطريق: "عندما وصلت، شعرت أن الوضع خطير للغاية، خصوصاً مع مستوطنة المطلة أمامي مباشرة، وخلفي سهل الخيام والخيام نفسها. أنجزنا الرسالة المصوّرة خلال دقيقتين وغادرنا فوراً ومنذ تلك اللحظة، أدركت أن هذه الحرب تختلف عن حرب 2024".

أما ابراهيم الغريب فيقول إنه يلجأ أحياناً إلى الجلوس منفرداً والاستماع إلى الموسيقى عندما يشتد القصف. "أضع السماعات وأقول: إذا نت سأموت، دعني أموت من دون أن أسمع الصوت".

مسؤولية الصحافي

في الحروب، لم تعد التغطية مجرّد نقل الوقائع، بل أصبحت اختباراً يومياً لقدرة المراسل على الصمود المهني والنفسي في آن واحد. مسؤولية الكلمة والرسالة تُشكّل تحدياً مضاعفاً للصحافيين ووسائل الإعلام، خصوصاً في ظروف حسّاسة ودقيقة كهذه، حيث تصبح دقة المعلومات أولوية قصوى.

اليوم، تتجدّد مسؤولية الصحافة في التحقّق من المصادر، وعدم السعي وراء السبق الصحافي على حساب الدقة، لأن هناك أسساً مهنية لا يجوز التنازل عنها. وهنا أيضاً تتجلّى أهمية التدريب على التغطية في مناطق النزاع والحروب وعلى إجراءات السلامة الشخصية أولاً.

يقول رامز القاضي: "التجربة إلى جانب التدريبات مهمة. التغطية في مناطق النزاع والحروب لا تقتصر على أن يظهر الصحافي أمام الكاميرا ويتحدّث، بل ترتّب مسؤوليات كبيرة على الصحافي، وعلى سلامة الفريق، وعلى الإجراءات الميدانية، والتقييم المستمر، والتنسيق الدائم. أعمل وفق معايير واضحة للتحقّق من الخبر ومصداقيته، لأن المعلومات لا تمر مرور الكرام، فهي قد تؤذي أو تفيد".

أما إبراهيم الغريب فيرى أن التغطية فرضت عليه مسؤوليات إضافية، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من المشاهدين هم من أبناء القرى نفسها التي ينقل أخبارها، ما يجعل المراقبة الدقيقة لكل تفصيل أمراً أساسياً، ويضاعف الضغط النفسي والميداني في آن واحد.

استشهاد الزملاء

استشهاد عدد من الصحافيين ترك أثراً نفسياً قاسياً في الصحافيين عموماً والمراسلين الميدانيين خصوصاً، كان آخرهم علي شعيب وفاطمة فتوني. 

يرى رامز القاضي أن استهداف الصحافيين لم يعد عرضياً وليس جديداً: "يحاول الإسرائيلي دائمًا ترهيب الصحافيين، والزملاء الذين عاشوا تجربة الحرب السابقة يعرفون تماماً أنّ ما جرى آنذاك، وما يجري اليوم، لإثارة الخوف. من غزة إلى لبنان، لم يعد الاستهداف يُصنّف ضمن الأضرار الجانبية، بل أصبح مباشراً وواضحاً، جزءاً من سياسة ترهيب ممنهجة". يضيف: "الفارق الأساسي اليوم هو أن الصحافيين يُستهدفون بشكل مباشر، وليس نتيجة اشتباكات أو تواجدهم في مكان خاطئ. ما يجري بحقّ الصحافيين هو جريمة حرب، استهداف ممنهج وواضح، يخالف كل الاتفاقيات الدولية".

ويختم: "هذا لا يمنعنا من الاستمرار في نقل الحقيقة، وفاءً لزملائنا الذين استُشهدوا، ومن أجل الحقيقة نفسها".

من جانبه، يقول إبراهيم الغريب متذكراً خسارات سابقة: "بعد استشهاد عصام عبدالله وفرح عمر وربيع معماري، شعرت بالحزن الشديد وأصبت بنوبة اكتئاب حادة، رغم أنني لم أكن على تماس مباشر. لكن بعد استشهاد الحاج علي شعيب وفاطمة فتوني، شعرت أن الخطر صار شخصياً، والضغط النفسي ازداد، خصوصاً أن أمي كانت في حالة صعبة وطلبت مني العودة". يختم: "أنا باقٍ هنا، ولم ولن أندم، ومستعد لإعادة التجربة. نحن نؤرشف للمستقبل، نحن الرواية التي ينتظرها الناس لمعرفة مصير قراهم".

أما أحمد شلحة فيقول: "تلقّي خبر استشهاد الزملاء مؤلم للغاية. في أوقات الحرب، تتحوّل الزمالة بين الصحافيين إلى صداقة عميقة، لأنهم يعيشون فترات طويلة معًا في الميدان، في الحلو والمرّ، وينسى المراسلون اختلافاتهم وميولهم. التجربة المشتركة تحت الخطر تولّد روابط حقيقية".

يضيف: "الخسارات صعبة جدًا، لكنها لا تؤثر في العمل أثناء التغطية. كمراسلين ميدانيين، أثناء الحدث، ننسى كل شيء ونركّز فقط على مهمتنا. نعرف أن هناك خطرًا وأن الاستهداف ممكن، لكننا لا نفكّر فيه. لأن التفكير في ذلك سيجعلنا نترك الجنوب ونعود إلى بيروت، وهذا ليس المطلوب".

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث