"الصحافي هو حارس البلاد، وجسر الثقة، ومهندس الوعي"، هذا ما يتبادر إلى ذهني حينما يُذكَر اسم "علي شعيب"، مراسلٌ صحافيّ يقف على تخوم الحدث، حارساً للأرض، للحدود، وللرواية التي تُكتَب يومياً بفوّهات البنادق، حبرها رصاص، وصوتها يجيء من نقطةٍ تختلط فيها الجغرافية بالدّم، والخبر بالانتماء.
نحن أبناء القرى الحدوديّة، نمى في وعينا الجمعيّ حضوراً إعلامياً بارزاً، استقرّ في مخيّلتنا منذ نعومة أظفارنا، وكبرنا به كأنّه صديق كل المراحل من فترات قبل تحرير عام 2000 وصولاً إلى عام 2006.
كان علي شعيب هو الصورة الأكثر التصاقاً بلحظات الحرب، المواجهة، رجلٌ يقف، يراقب، يشاهد، وينقل الخبر. كلّ هذا كنا نقرأه، إلّا شيئ واحد كان يطرق عقلي، ألا وهو البقاء، بقاء علي شعيب في موقعه!
البقاء في الميدان
لم يغادر الحدود، لم يستبدلها بمنصات أكثر أماناً. وهنا تحديداً، برز السؤال: لماذا لم يصبح علي شعيب مذيعاً؟ لماذا لم ينتقل إلى الاستوديو، ربطات العنق، التحليل، وقراءة الأخبار؟ هذا السؤال لم أطرحه على نفسي يوماً، حتى لفتتني إليه صديقتي ملاك التي كتبت في نعي الحاج علي: "الصحافيون، مع الوقت، يميلون إلى التقاعد من الميدان… إلا هو."
لم يكن علي شعيب في الميدان لأنه لم تتح له الفرصة ليغادره، بل لأنه اختار أن يبقى. اختار أن يكون حيث يجب أن يكون صوته، لا حيث تبدو الصورة أكثر أناقة، اختار أن يقلّب الأحداث في فرنِ البال، كمن يغذّي روايته بخبز الوعي.
بعيداً عن الصورة، كان هناك الإنسان
تعرفتُ إليه عام 2017، بعد تواصلٍ سابق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كان يعبّر خلاله دائماً عن محبته وتقديره. يومها، كنتُ مدعوة إلى إفطار، وكان هو حاضراً. ابتسمت لوجوده أو ارتحت لا أعلم، فـ"الحاج علي"، كان بالنسبة لي أقرب إلى فكرة، رمز، أو حارس الحدود أكثر منه شخصاً عادياً يمكن أن تجلس معه.
في ذلك اللقاء، كان واضحاً أنني لستُ موضع ترحيب من الجميع، لاختلافاتٍ سياسيّة مع بعض الحاضرين. التفت إليّ، بابتسامته الهادئة، وقال ببساطة: "اقعدي حدّي". أجبته ممازحة: "هلأ بيقولوا لك مين قاعدة حدّك". فابتسم وقال: "إنتِ بتطلّعي قدّامك… وما بتطلّعي وراك". داخل هذه الجملة القصيرة، كان كل شيء حاضراً: هدوءه، ثقته، وإيمانه العميق بحق الإنسان في أن يكون مختلفاً. لم يكن صاخباً في دفاعه، ولا استعراضياً، لكنه كان واضحاً. وهذا، ربما، ما جعله أكبر من مجرّد مراسل: كان صاحب موقف، حتى في التفاصيل الصغيرة.
الشماتة والاختلاف
في استشهاده، إلى جانب الزميلة فاطمة فتوني، لم يظهر فقط وجه الجريمة التي أعلنت إسرائيل مسؤوليتها عنها، بل ظهر أيضاً وجه آخر، أكثر قسوة: وجه الشماتة.
نعم، كتبت فاطمة، في مرحلة سابقة، ربما عبّرت، وهي أصغر سناً، وفي سياقٍ مشحون، عن مواقف قاسية أو انفعالية. لكن هل يتحول الخطأ إلى مبرر للموت؟ هل الموت مكافأة جيّدة لمن اختلف معنا وعلينا؟ هنا، لا يعود النقاش سياسياً، بل أخلاقياً بامتياز.
نحن الذين خرجنا يوماً دفاعاً عن الحرية، وعن حق الناس في التعبير، وعن كرامتهم في الاختلاف… ماذا يبقى من كل ذلك، إذا كنّا، عند أول اختبار، ننجرّ إلى المنطق نفسه الذي ندّعي رفضه؟ ما الفرق بين من يُقصي الآخر لأنه مختلف، وبين من يشمت بموته لأنه قال ما لا يعجبه؟ ما الذي يميّزنا فعلاً، إذا كنا نعيد إنتاج القسوة نفسها، ولكن بعبارات مختلفة؟ كيف ندافع عن حرية التعبير، ثم نسحبها؟ أخلاقياً، من أولئك الذين نختلف معهم؟
ليست المسألة دفاعاً عن شخص، ولا تبريراً لموقف، بل دفاع عن فكرة: أن الحرية لا تتجزأ، وأن الكرامة لا تُمنح على أساس الاصطفاف، وأن إنسانيتنا تُختبر تحديداً في لحظات الاختلاف، لا في لحظات الاتفاق.
علي شعيب لم يكن فقط مراسلاً بقي في الميدان. كان شاهداً على معنى الالتزام، وعلى إمكانية أن تكون الصحافة أكثر من مهنة: أن تكون موقعاً، وموقفاً، دون تدجين، ودون تزييف للوعيّ!
مساحة التقاء
أما نحن، أولئك الشاهدون والمنتظرون لغدٍ مجهول، السؤال هنا لم يعد نظرياً، بل نحمله في خطواتنا تجاه الحقيقة الثابتة: أيّ موقع نختار لأنفسنا؟ وأيّ لغة نريد أن نحكي بها عن بعضنا البعض؟ نحن نقف على أنقاض مشتركة، يصرّ الكثيرون فيه على اقتسام ما تبقّى من رماده على حساب الآخر، هذا طبعاً إن تبقّى ما نتشاركه؟ حتّى في تشاركنا لعداوة إسرائيل "يفترض"، انقسمنا!
إن لم ننجح يوماً في إيجاد أرضية مشتركة، في الحدّ الأدنى الذي يجمعنا كبشر قبل أي شيء آخر، فإن الوحش الذي نواجهه-إسرائيل-لن يفرّق بيننا.
وحينها، سيدرك معظمكم، أنّ إسرائيل تبتلع طرفاً دون آخر، تمهيداً لابتلاعنا جميعاً.
